منذ هجومهم الدامي على مطار العاصمة السعودية يوم السبت الماضي، شنّ الحوثيون هجمات على شركة أرامكو، ومقر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في العاصمة المؤقتة عدن، مما زاد من حدة الحرب التي لا مخرج واضح لها.
ومن الواضح أن المعركة العسكرية هي الخيار الأكثر وضوحاً خلال الفترة المقبلة. ووفق صحيفة «واشنطن بوست»الأمريكية "مع امتداد الحرب مع إيران، يرى السعوديون والحوثيون أن القتال هو السبيل الوحيد للمضي قدماً".
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في الحكومة اليمنية، "أن القيادة السعودية ترى أن النصر الميداني هو خيارها الوحيد" لمواجهة تهديدات ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران وهجماتهم على آراضيها.
وقال أحد المسؤولين اليمنيين "من الواضح أنه خلال السنوات التي ساد فيها السلام ظاهرياً، كان الحوثيون وحلفاؤهم في إيران يستعدون للحرب، وهذه الحرب تأثيرها ليس على السعودية واليمن فقط، بل على العالم أجمع".
ورأت الصحيفة بأن الصراع المتصاعد أصبح الآن الجبهة الأكثر تقلباً في الصراع الإقليمي المترامي الأطراف الذي اندلع عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في فبراير، مما أدى إلى ضربات انتقامية من طهران على دول الخليج العربي.
حرب مستمرة ولا مؤشرات للتفاوض
تبدو المواجهة بين السعودية والحوثيين حاليا أقرب إلى "حرب استنزاف" لا يحقق فيها أي طرف مكاسب حاسمة، بحسب مسؤولين ومحللين إقليميين، إذ يواصل الجانبان تصعيد الهجمات فيما تغيب أي مؤشرات على استئناف المفاوضات في المستقبل القريب.
وقال المسؤول اليمني: "التفاوض ليس خياراً مطروحاً الآن - لا أحد يتحدث عنه".
وقال المسؤولان اليمنييان ورائد كريملي، وهو دبلوماسي سعودي رفيع المستوى، إنهم يعتقدون أن تصعيد الحوثيين مدفوع جزئياً بإيران التي تسعى إلى تعزيز نفوذها في حربها المستمرة مع الولايات المتحدة.
وقال كريملي، نائب وزير الخارجية السعودي للدبلوماسية العامة، للصحفيين خلال إحاطة نادرة يوم الخميس، إن الرياض تعتقد أن إيران غير مستعدة لتقديم تنازلات في حربها مع الولايات المتحدة و"شجعت" الحوثيين على التصعيد.
وقال مسؤولان يمنيان إنه مع تحقيق الحوثيين تقدماً مفاجئاً في ساحة المعركة، حيث سيطروا على مناطق على طول ساحل البحر الأحمر اليمني وزعموا سيطرتهم على مضيق باب المندب الاستراتيجي، فشل المجتمع الدولي في مواجهة اللحظة، وقد يدفع الآن ثمناً باهظاً.
يمرّ نحو 20% من البضائع الدولية عبر باب المندب، إما من وإلى قناة السويس التي تربط في نهاية المطاف البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي. وقال مسؤولون يمنيون إن هذه الاضطرابات ستؤثر على مناطق أبعد من الشرق الأوسط.
أكد أحد المسؤولين أن المكاسب التي يحققها الحوثيون، الذين يتلقون أيضاً الدعم من روسيا والصين، "هي مكاسب لأعداء الولايات المتحدة وأوروبا".
وقال المسؤول: "لقد فشلت النخب في الولايات المتحدة في فهم أهمية هذه الأرض"، مضيفاً أن السؤال لا يزال مطروحاً حول كيفية تأثير سيطرة الحوثيين وداعميهم الإيرانيين على باب المندب على احتياجات أوروبا من الطاقة مع اقتراب فصل الشتاء.
ومنذ 12 عاماً تدور حرب في اليمن بعد سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على العاصمة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014، وملاحقة الرئيس والشرعي للبلاد وكافة المسؤولين، قبل أن تتدخل السعودية بقيادة تحالف لدعم الشرعية في مارس/ آذار 2016.
وكانت هدنة مستمرة منذ 2022 فشلت في خلق تسوية لإنهاء الحرب، وتجدد القتال في يوليو/تموز، عندما بدأ الحوثيون بإطلاق النار على منشآت النفط السعودية وفرض حصار على السفن السعودية التي تمر عبر البحر الأحمر.
حرب مصيرية في اليمن
في الأيام الأخيرة، توسع نطاق عمل التحالف المدعوم من السعودية في اليمن من استهداف الأهداف العسكرية بشكل أساسي إلى استهداف البنية التحتية النفطية التي يسيطر عليها الحوثيون أيضاً.
وقال أحمد ناجي، كبير المحللين لشؤون اليمن في مجموعة الأزمات الدولية، إن الحوثيين ردوا بالمثل، حيث طبقوا مبدأً يلخصونه بعبارة "ميناء مقابل ميناء، مطار مقابل مطار، حصار مقابل حصار".
وقال ناجي "إن وابل الغارات الجوية التي يشنها التحالف الذي تقوده السعودية يلحق الضرر بالحوثيين أكثر مما يعترفون به، لكن التحالف كان أيضاً أضعف ميدانياً بكثير على الأرض مما كان متوقعاً".
وقال ناجي: "هذه حرب مصيرية، ستحدد مستقبل اليمن وأمن الخليج. وأعتقد أن كلا الجانبين يدركان حجم المخاطر... لقد أصبحت لعبة محصلتها صفر".
من جانبه قال علي الشهابي، وهو كاتب ومعلق سعودي، إن هناك "قدراً معيناً من الإحباط" في الرياض لأن الولايات المتحدة لا تقدم المساعدة عبر الطائرات العسكرية الأمريكية.
وأضاف: "لكن هناك أيضاً تقدير للمساعدة التي يقدمها الأمريكيون من حيث المعلومات الاستخباراتية والأفراد على الأرض".
وقال الشهابي إن المملكة العربية السعودية، التي لطالما كانت رائدة عالمياً في إنتاج النفط، أعطت الأولوية لحماية بنيتها التحتية النفطية، ولم تتوقع أن يقوم الحوثيون "بمهاجمة مطار مدني".
وقال إنه بعد ذلك الهجوم الذي أسفر عن مقتل 13 شخصاً، تعيد السعودية ترتيب أولويات دفاعاتها الجوية وتركز على ضرب الحوثيين بقوة. مضيفاً: "ستلحق السعودية الألم بالحوثيين لجعلهم أكثر عقلانية".
حتى قبل استئناف القتال، كان اليمن يواجه وضعاً إنسانياً كارثياً، حيث كان 18 مليون شخص يحتاجون مساعدات إنسانية ويعانون من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي. ومنذ سبتمبر/أيلول، نزح أكثر من 231 ألف شخص، مما زاد من حدة عدم الاستقرار.
الخيار العسكري أكثر جدوى
وقال مسؤول يمني آخر أنه طالما يحاصر الحوثيون مدينة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة، ويمنعون وصول الغذاء والإمدادات إلى سكانها البالغ عددهم قرابة مليون نسمة، فإن الحكومة "لن تتراجع عن القتال". وتابع: "للأسف، وصلنا إلى طريق مسدود".
وقال آدم بارون، الباحث في مؤسسة "نيو أمريكا"، إن السعودية تواجه حسابات شبه مستحيلة في ظل "وصول الحوثيين إلى أعلى مستويات قوتهم في السنوات الأخيرة"، حيث يمثل التصعيد العسكري الخيار الأكثر جدوى.
وقال بارون إنه إذا لم يقبلوا الوضع الراهن الناشئ، فسيتعين على السعوديين "قبول أن الحوثيين سيصبحون قوة إقليمية مهيمنة تمتلك القدرة على صنع الأسلحة وترسانة أسلحة تفوق بالفعل أهمية بعض الدول".
وقال محمد الباشا، وهو مستشار مخاطر يمني أمريكي، إن الحوثيين متطرفون للغاية، ولا يمكن للمملكة العربية السعودية المجاورة أن تقبل بهم، مشيراً إلى أن المتمردين يريدون السيطرة على المطارات والموانئ، والحصول على تعويضات من السعوديين عن الحرب التي استمرت لسنوات، ودفع رواتب حكومية لعناصرهم.
وأضاف: "هناك مجالاً ضئيلاً للتفاوض ومجالاً واسعاً للتصعيد، بحيث يتجاوز الحوثيون "كل خط أحمر يمكن تصوره" بشن هجمات على المدنيين، بمن فيهم الحجاج المسلمون الذين أصيبوا في هجوم المطار".
وقال: "لا تزال احتمالات التصعيد قائمة، وما زال خطر اندلاع مزيد من المواجهات العنيفة قائماً".
