اليمن-
دخلت طائرات «عيبان» و«نقم» المسيّرة الخدمة ضمن القوات الحكومية اليمنية، في خطوة عسكرية لافتة تعكس توجهًا نحو إعادة بناء القدرات الجوية وتوسيع أدوات المواجهة مع ميليشيا الحوثي، بالتزامن مع الإعلان عن ثلاث طبقات من قدرات الطيران المسيّر، بينها منظومة استراتيجية لم تدخل المعارك حتى الآن، وطائرات هجومية بعيدة المدى.
وأعلن مساعد وزير الدفاع، اللواء سمير الصبري، دخول لواءين كاملين من الطيران المسيّر إلى الخدمة المباشرة، بجهوزية تسليحية عالية وقدرات متقدمة في الاستطلاع والضرب، في خطوة تحمل، إلى جانب بعدها العسكري، رمزية وطنية من خلال إطلاق اسمي «عيبان» و«نقم» على الجيل الأول من هذه الطائرات.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن هذه الخطوة لا تمثل مجرد إضافة سلاح جديد إلى ترسانة القوات الحكومية، وإنما تعكس تحولًا في بناء القدرات الجوية وفي طبيعة إدارة المعركة، من خلال توسيع نطاق الاستطلاع ورصد الأهداف وجمع المعلومات والقدرة على تنفيذ الضربات، بما قد يفتح المجال أمام عمليات تتجاوز خطوط المواجهة التقليدية.
ثلاث طبقات من الطيران المسيّر
وبحسب ما أُعلن، يمتلك الجيش اليمني ثلاث طبقات من قدرات الطيران المسيّر، من بينها منظومة استراتيجية لم تدخل المعارك حتى الآن، إلى جانب طائرات مسيّرة هجومية.
ووفق ما أوردته وكالة «شيبا إنتليجنس»، تشير التحقيقات إلى ارتباط منظومتين بطائرات هجومية بعيدة المدى، يقدّر مداها بنحو 1500 كيلومتر، مع قدرة على حمل رأس حربي يتراوح وزنه بين 30 و50 كيلوغرامًا.
كما شمل الإعلان الكشف عن طائرات مسيّرة محلية الصنع، إلى جانب إعادة تأهيل مقاتلات F-5 وتطوير الصواريخ متوسطة المدى، في إطار مشروع بدأ قبل عدة سنوات ومر بمراحل التصميم والتجارب والتطوير الفني قبل الوصول إلى مرحلة الإعلان عن بعض قدراته.
وتؤدي هذه المنظومات مهام لا تقتصر على الضرب، بل تشمل الاستطلاع وجمع المعلومات ورصد الأهداف وتحديدها، ما يمنحها دورًا في بناء صورة ميدانية تساعد على التخطيط للعمليات واتخاذ القرار العسكري.
وتكتسب هذه القدرات أهمية إضافية مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الضربات الدقيقة واستهداف المنشآت العسكرية، بما يجعلها جزءًا متزايد الأهمية من أدوات الحرب الحديثة.
رمزية وطنية وقدرة عملياتية
تحمل تسمية الطائرات الجديدة باسمَي «عيبان» و«نقم» رمزية مرتبطة بمعالم يمنية بارزة، في وقت تتجه فيه القوات الحكومية إلى تطوير قدرات عسكرية محلية في مجال الطيران المسيّر.
وبحسب خبراء عسكريون، فإن إدخال هذه الطائرات إلى الخدمة يمكن أن ينقل المواجهة إلى مستويات أبعد، من خلال توسيع نطاق العمليات وفتح إمكانية الوصول إلى عمق مناطق نفوذ الحوثيين، بما قد يقلل من قدرتهم على الاستفادة من مناطق بعيدة عن خطوط التماس باعتبارها مناطق آمنة.
وفي حال تشغيل هذه المنظومات بكفاءة وعلى نطاق واسع، فإنها قد تتحول من سلاح تكتيكي محدود إلى أداة للضغط والاستطلاع والاستهداف، خصوصًا مع دمجها بقدرات جوية أخرى.
ويشمل ذلك ما أُعلن عن إعادة تأهيل مقاتلات F-5 وتطوير الصواريخ متوسطة المدى، بما يعكس محاولة لبناء منظومة جوية أكثر تكاملًا تجمع بين الطائرات المأهولة والمسيّرة والقدرات الصاروخية.
المسيّرات تفقد الحوثيين عنصر المفاجأة
وفي هذا الصدد، يرى المحلل العسكري عبدالعزيز الهداشي أن دخول هذا النوع من السلاح إلى المعركة سيؤثر في طبيعة المواجهة، مشيرًا إلى أن تأثير الطائرات المسيّرة لا يرتبط بمجرد امتلاكها، وإنما بكثافة استخدامها واستمراريتها.
وقال الهداشي في حديث لقناة "يمن شباب"، إن تشغيل المسيّرات بصورة مكثفة يمكن أن يحد من قدرة القوات الحوثية على التجمع والاستعداد لتنفيذ عمليات هجومية، معتبرًا أن إحدى أبرز نتائج استخدامها حتى الآن تتمثل في الحد من قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات في عدد من الجبهات، بينها مأرب والجوف والساحل.
وأشار إلى أن الاستطلاع والكشف المبكر عن تجمعات القوات يؤديان إلى فقدان الحوثيين عنصر المفاجأة، إذ تصبح تحركاتهم أكثر قابلية للرصد قبل تنفيذ أي هجوم.
وبحسب الهداشي، فإن اكتشاف أي تجمع عسكري واستهدافه بكثافة يمكن أن يؤدي إلى تفكيك القوة المهاجمة، لأن تشتت القوات يفقدها جزءًا كبيرًا من فاعليتها الهجومية.
التحول لم يعد مجرد دفاع
من جانبه، قال الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور عبدالوهاب العوج إن طبيعة المعركة تغيرت بالنسبة للحكومة الشرعية، مشيرًا إلى أن انعقاد مجلس الدفاع الوطني وإعلانه أن الطائرات المسيّرة تقوم بدورها، مع الدعوة إلى توسيع استخدامها، يعكسان تحولًا في النظرة العسكرية داخل وزارة الدفاع وهيئة الأركان.
وأوضح أن المواجهة لم تعد مجرد دفاع في المحاور السابقة أو انتظار هجمات برية حوثية، مشيرًا إلى أن القوات الحكومية أصبحت قادرة على الحصول على معلومات أولية بشأن أي تجمع أو تحرك عسكري محتمل، بما يساعدها على الاستعداد للهجمات قبل وقوعها.
وقال إن تحسن قدرات الحكومة ودخول الطيران، بما في ذلك مقاتلات F-5، يمثل تحولًا نوعيًا، لكنه شدد على أن الوقت لا يزال مبكرًا لإطلاق أحكام نهائية بشأن نتائج هذا التحول.
وأكد أن القوات الحكومية ما تزال بحاجة إلى أعداد أكبر من الطائرات المسيّرة، وإلى أنواع مختلفة منها، إلى جانب صواريخ قصيرة وبعيدة المدى وقدرات إضافية للقتال الليلي.
وفي المقابل، حذر العوج من أن الحوثيين ما زالوا يمتلكون قدرة على تهديد مناطق حيوية وعقد استراتيجية في البحر الأحمر وخليج عدن، إضافة إلى موانئ ومواقع عسكرية، ما يعني أن تطور القدرات الهجومية لا يلغي الحاجة إلى بناء منظومة دفاعية متكاملة.
عامل آخر في تغيير المعادلة
ويرى الصحفي سلمان المقرمي أن التطور في استخدام الطائرات المسيّرة لا يمكن فصله عن تطور عسكري أوسع يتمثل في توحيد القوات ضمن معركة واحدة.
وأوضح في حديثه لقناة "يمن شباب"، أن الإجراءات المتعلقة بدمج القوات وتوحيد عملها عملياتيًا أسهمت في إظهار قدرات عسكرية لم تكن ظاهرة بالشكل نفسه في السابق، معتبرًا أن التحول لا يرتبط بالقدرات الفنية واللوجستية وحدها، وإنما بطبيعة العقيدة القتالية ووحدة القرار والعمليات.
وبحسب المقرمي، فإن توحيد القوات يعني توحيد أدوات المعركة وآلياتها، وهو ما يقلل قدرة الحوثيين على الاستفراد بجبهة واحدة أو استغلال التباين بين المحاور.
ويرى أن هذا العامل، إلى جانب القدرات الجوية الجديدة، يمكن أن يعزز قدرة القوات الحكومية على التعامل مع الحوثيين ضمن مسرح عمليات أكثر تكاملًا.
من الضربات الجوية إلى المعركة البرية
ورغم أهمية التطور في قدرات الطيران المسيّر، حذر الهداشي من الاكتفاء بالضربات الجوية، مؤكدًا أن استمرار القصف دون تحرك على الأرض قد يحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة.
وقال إن المرحلة الحالية ينبغي أن تتبعها عملية تطوير للهجوم على الأرض، بحيث تتحول نتائج الاستطلاع والضربات الجوية إلى مكاسب ميدانية فعلية.
وأشار إلى أن بعض الطائرات الاستراتيجية التي دخلت الخدمة قادرة على حمل رؤوس حربية يتراوح وزنها بين 30 و50 كيلوغرامًا، ما قد يتيح استخدامها ضد أهداف أكثر تحصينًا، في حين تُستخدم بعض الذخائر الحالية ضد الآليات الخفيفة والأفراد.
ويرى أن استمرار الضربات لفترة محدودة يجب أن يتبعه انتقال إلى عمليات هجومية برية، لأن الهدف النهائي من استخدام الطائرات المسيّرة لا ينبغي أن يقتصر على استهداف الأفراد والآليات، وإنما يجب أن يساهم في تغيير الواقع الميداني والسيطرة على الأرض.
تحذير من حرب استنزاف
وحذر الهداشي من أن استمرار القصف المتبادل دون تحرك بري سيؤدي إلى استنزاف القوات والموارد، مؤكدًا أن الحرب الطويلة تستهلك المال والسلاح والرجال من دون تحقيق مكاسب جغرافية واضحة.
وأوضح أن الحوثيين يواصلون استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد المدن وبعض المواقع، فيما تركز القوات الحكومية ضرباتها على الأفراد والآليات في خطوط التماس، وهو ما يجعل المعركة بحاجة إلى الانتقال من القصف إلى استعادة الأرض.
ودعا الهداشي إلى تحريك عدد من الجبهات بالتزامن، مشيرًا إلى أهمية مأرب والضالع وتعز والساحل، بما يتيح للقوات الحكومية الضغط على الحوثيين من أكثر من محور ويمنعهم من تركيز قدراتهم في جبهة واحدة.
كما دعا إلى ربط بعض المحاور، خصوصًا بين تعز والساحل، بما يقلص المساحات التي تفصل بين القوات الحكومية ويضع الحوثيين أمام ضغط متزامن.
ويرى العوج بدوره أن أي معركة شاملة ينبغي أن تتحرك عبر محاور متعددة، تشمل البيضاء وإب وتعز والحديدة والجوف وشبوة، إلى جانب تأمين المناطق الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن.
ويطرح ذلك سؤالًا أوسع حول قدرة الحكومة الشرعية على الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، خصوصًا أن امتلاك الطائرات المسيّرة يمنحها، بحسب المتحدثين، أدوات أفضل للاستطلاع والكشف المبكر والاستهداف.
اختبار حقيقي للقدرات الجديدة
ويمثل دخول «عيبان» و«نقم» إلى الخدمة، إلى جانب الإعلان عن طبقات أخرى من الطائرات المسيّرة وإعادة تأهيل مقاتلات F-5 وتطوير الصواريخ متوسطة المدى، جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء القدرات الجوية للقوات الحكومية.
وتشير مجمل المعطيات إلى أن القوات الحكومية تقف أمام مرحلة اختبار جديدة امتلاك أدوات أكثر تطورًا في السماء، مقابل الحاجة إلى توظيفها ضمن استراتيجية عسكرية متكاملة تجمع بين الطيران المسيّر والطيران الحربي والدفاع الجوي والعمليات البرية.
وفي نهاية المطاف، لن يكون الإعلان عن دخول الطائرات المسيّرة إلى الخدمة وحده كافيًا للحكم على حجم التحول؛ فالمعيار الحقيقي سيظل ما إذا كانت هذه القدرات ستنجح في تغيير واقع الميدان، واستعادة الأرض، وفرض معادلة جديدة على الحوثيين، أم ستبقى المواجهة محصورة في دائرة الضربات المتبادلة وحرب الاستنزاف.
