اليمن - حذّر تحليل صادر عن المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) من أن اليمن قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة وخطيرة في مسار انتشار الأسلحة في المنطقة، مع احتمال تحوله إلى مصدر لتزويد جماعات مسلحة أخرى بالسلاح والخبرات العسكرية عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل تنامي القدرات العسكرية لجماعة الحوثي المدعومة من إيران. ويرى التحليل الذي ترجمه يمن شباب نت، أن صعود الحوثيين يمثل تحولًا لافتًا في أنماط انتشار السلاح في المنطقة، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية وترقب العالم لردود فعل شركاء إيران في ما يُعرف بـ محور المقاومة على التطورات العسكرية الجارية في الخليج. وبحسب المعهد، فإن ثمة ديناميكية أخرى لا تقل أهمية عن مسار الحرب الإقليمية، تتمثل في الدور المتنامي الذي قد تلعبه جماعة الحوثي في شبكات تهريب الأسلحة ونقل التكنولوجيا العسكرية، وهو ما قد يجعل اليمن نقطة انطلاق لتدفق الأسلحة إلى صراعات أخرى في محيط البحر الأحمر. ويشير التحليل إلى أن التطورات التي شهدتها الحرب في غزة منذ السابع من أكتوبر أضعفت العديد من الجماعات المنضوية في محور المقاومة نتيجة الضربات العسكرية الإسرائيلية، ما حدّ من قدرتها على أداء دورها الردعي الذي سعت إيران إلى بنائه على مدى عقود. غير أن الحوثيين برزوا، على نحو لافت، كأحد أكثر حلفاء طهران قدرة على الاستمرار في المواجهة، بل وتحقيق تأثير ملموس في ساحة الصراع. الحوثيون والبحر الأحمر وفق التحليل، تمكن الحوثيون من الحفاظ على سيطرتهم على معظم شمال اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء، رغم الحرب الأهلية الطويلة التي خاضوها ضد تحالف عسكري يمني مدعوم من السعودية والإمارات، قبل أن تُجمّد خطوط المواجهة بتوقيع هدنة عام 2022. ومع اندلاع الحرب في غزة، بدأ الحوثيون باستهداف إسرائيل باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الهجومية، غير أن معظم هذه الهجمات جرى اعتراضها. ومع محدودية تأثيرها، تحوّلتركيز الجماعة إلى البحر الأحمر وخليج عدن، حيث بدأت باستهداف السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل أو بحلفائها الغربيين. ويشير التحليل إلى أن الحوثيين هاجموا مئات السفن منذ بدء حملتهم في نوفمبر 2023 وحتى منتصف عام 2025، مستخدمين مزيجًا من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة والمركبات البحرية غير المأهولة، إضافة إلى هجمات بزوارق صغيرة مسلحة. وأسفرت هذه الهجمات عن إغراق عدة سفن ومقتل عدد من البحارة. وقد دفعت هذه التطورات الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إطلاق عملية حارس الازدهار لحماية الملاحة الدولية، بينما أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة أسبيدس البحرية. ومع ذلك، فضلت العديد من شركات الشحن العالمية تحويل مسارات سفنها بعيدًا عن البحر الأحمر نحو رأس الرجاء الصالح لتجنب مخاطر الهجمات. وفي مارس 2025، شنت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين تحت اسم الفارس الصلد، شملت أكثر من ألف غارة جوية، غير أن الحملة لم تنجح في تعطيل شبكات الإمداد اللوجستية للجماعة أو إنهاء قدرتها على تنفيذ الهجمات البحرية. ويرى التحليل أن قدرة الحوثيين على الصمود أمام الضربات الأمريكية والإسرائيلية تميزهم عن جماعات أخرى في محور المقاومة، كما أن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق باب المندب عزز من مكانتهم داخل هذا المحور. من حركة متمردة إلى قوة عسكرية يطرح التحليل تساؤلاً رئيسياً حول الكيفية التي تمكن بها الحوثيون من التحول من جماعة متمردة خفيفة التسليح في جبال شمال اليمن إلى قوة قادرة على ضرب أهداف تبعد آلاف الكيلومترات. ويعزو المعهد ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها سيطرة الجماعة على صنعاء عام 2014 وتحالفها مع الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، ما أدى إلى انضمام وحدات من القوات المسلحة اليمنية، بما في ذلك وحدات الدفاع الصاروخي والقوات الجوية، إلى صفوف الحوثيين. كما لعب الدعم العسكري من حلفاء إيران دورًا مهمًا في تطوير قدرات الجماعة، حيث تلقى مقاتلوها تدريبات من عناصر حزب الله، كما جرى تهريب شحنات من الأسلحة والمعدات العسكرية من إيران عبر طرق بحرية معقدة. وكانت هذه الشحنات تُنقل غالبًا عبر سفن شحن خشبية تقليدية تُعرف باسم الداو، تنطلق من موانئ إيرانية مرورًا بالمياه الصومالية وصولًا إلى السواحل اليمنية على البحر الأحمر. شبكات تهريب واسعة يشير التحليل إلى أن عمليات التهريب شهدت توسعًا ملحوظًا منذ عام 2015 بعد فرض التحالف العربي حصارًا بحريًا وجويًا على اليمن. فبين عامي 2015 و2025، اعترضت القوات البحرية الدولية عددًا من السفن التي كانت تحمل آلاف القطع من الأسلحة الخفيفة وملايين الطلقات، إضافة إلى صواريخ موجهة مضادة للدبابات ومكونات لصواريخ كروز وطائرات مسيّرة ومركبات بحرية غير مأهولة. وبحسب التحليل، كانت معظم هذه الأسلحة صينية وروسية وإيرانية المنشأ، وقد جرى شحنها من موانئ إيرانية، في حين يُعتقد أن الكميات المضبوطة تمثل جزءًا بسيطًا فقط من الحجم الحقيقي لشبكات التهريب. ويظهر تحليل الأسلحة التي استخدمها الحوثيون بين عامي 2016 و2022 تحولًا تدريجيًا نحو التجميع المحلي للأنظمة العسكرية، خاصة الطائرات المسيّرة والمركبات البحرية غير المأهولة. ورغم أن هذه الأنظمة لا تزال تعتمد على مكونات أجنبية مثل المحركات والإلكترونيات وأجهزة الاتصالات، فإن العديد من هذه المكونات يتم الحصول عليها من دول ثالثة، خصوصًا في جنوب شرق آسيا، حيث تمثل الصين المصدر الأكبر لها. ومع ذلك، لا يزال الحوثيون يعتمدون على إيران في بعض الأنظمة الأكثر تطورًا، مثل الصواريخ الباليستية بعيدة المدى والصواريخ المجنحة. خطر انتشار السلاح من اليمن يحذر المعهد الإيطالي من أن التطور العسكري الذي حققه الحوثيون قد يؤدي إلى تحول اليمن من مستورد للسلاح إلى مصدر له. فاليمن، حتى قبل اندلاع الحرب الأهلية، كان يعاني انتشارًا واسعًا للأسلحة نتيجة ضعف مؤسسات الدولة وثقافة حمل السلاح في المجتمع. ومع استمرار الصراع، ازدادت كميات الأسلحة المتداولة، ما جعل البلاد بيئة خصبة لتهريبها إلى مناطق أخرى. كما تشير تقارير إلى احتمال وجود تعاون بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، بما في ذلك جماعات جهادية في الصومال، حيث يُعتقد أن هذا التعاون قد يشمل التدريب العسكري ونقل بعض التقنيات. ورغم عدم وجود أدلة قاطعة حتى الآن على نقل أسلحة متطورة عبر خليج عدن، فإن امتلاك جماعات مثل حركة الشباب لطائرات مسيّرة بعيدة المدى قد يغير موازين الصراع في الصومال. يخلص التحليل إلى أن اليمن قد يتحول في السنوات المقبلة إلى مركز جديد لانتشار الأسلحة والخبرات العسكرية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي ظل التوترات المتصاعدة في الخليج والشرق الأوسط، يرى المعهد أن هذا الاحتمال يمثل خطرًا حقيقيًا على استقرار المنطقة، وقد يؤدي إلى توسيع رقعة النزاعات المسلحة في محيط البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
كيف قد يتحول اليمن إلى مركز لانتشار السلاح في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟