اليمن -
تكشف تقارير دولية حديثة في مقدمتها تقرير لمجلة «الإيكونوميست» البريطانية، وآخر لموقع «ستراتيجي بيج» الأمريكي، عن تفاصيل شبكات التهريب والتجارة غير المشروعة التي يعتمد عليها الحوثيون في تمويل عملياتهم العسكرية، وتطوير قدراتهم التسليحية، وتوسيع علاقاتهم مع شبكات إجرامية وجماعات مسلحة في مناطق مختلفة من العالم.
وتوضح هذه التقارير كيف انتقلت الجماعة، خلال أكثر من عقد، من الاعتماد على الأسلحة الإيرانية والعتاد الذي استولت عليه من مخازن الجيش اليمني، إلى تطوير قدرات تصنيع عسكرية محلية، مستفيدة من شبكات تجارية وتهريب تمتد من الصين إلى القرن الأفريقي، ومن تجارة المخدرات التي أصبحت، مصدراً رئيسياً لتمويل عملياتها.
شبكات تهريب الأسلحة
تبدأ مجلة «الإيكونوميست» تقريرها بالحديث عن رجل الأعمال اليمني علي الوزير، البالغ من العمر 47 عاماً، والمعروف بلقب «الأمير»، والذي يمارس أنشطته التجارية في مدينة غوانغتشو جنوبي الصين، على بعد نحو 7 آلاف كيلومتر من اليمن.
ورغم هذه المسافة، لعب الوزير دوراً في الحرب اليمنية، إذ اتهمته وزارة الخزانة الأمريكية، عام 2024، بتزويد الحوثيين، المدعومين من إيران، بمواد تساعدهم في تصنيع الأسلحة، وفرضت عليه عقوبات.
كما أدرجت واشنطن خلال العام الماضي عدداً من التجار الآخرين المرتبطين بالجماعة على قوائم العقوبات، بسبب تورطهم في أنشطة مماثلة.
وتوضح المجلة أن الحوثيين، الذين كانوا يُنظر إليهم سابقاً باعتبارهم مجرد متمردين غير منظمين، تحولوا خلال أكثر من عقد إلى قوة عسكرية تمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، مستفيدين من الدعم الإيراني وشبكات التهريب الخارجية، إلى جانب شخصيات تجارية مثل علي الوزير.
وتمتد شبكات التهريب الحوثية من القرن الأفريقي إلى الصين، في وقت تزايدت فيه المخاوف الإقليمية من تصاعد قدرات الجماعة العسكرية وهجماتها، بما في ذلك الهجمات التي استهدفت السعودية، الداعمة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وفي قمة طهران الأسبوع الماضي، مارست السعودية ضغوطاً على إيران لكبح جماح الحوثيين، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة في المنطقة.
حصل الحوثيون على معدات عسكرية ثقيلة لأول مرة عام 2014، عقب سيطرتهم على العاصمة صنعاء، إذ أتاح لهم تحالفهم القصير مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحلفائه في الجيش الاستحواذ على صواريخ سكود وتوشكا السوفيتية الصنع.
وبالتزامن مع ذلك، كثفت إيران دعمها للجماعة، التي تنتمي إلى المذهب الزيدي، باعتبارها أحد مكونات ما تسميه «محور المقاومة».
وعقب تدخل التحالف العربي في اليمن عام 2015، زودت طهران الحوثيين بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وأسلحة ثقيلة أخرى، فيما تولى مستشارون إيرانيون وعناصر من حزب الله اللبناني تدريبهم على استخدامها.
لكن الجماعة انتقلت تدريجياً إلى تطوير قدراتها العسكرية الخاصة، وصولاً إلى تصنيع جزء من ترسانتها داخل اليمن.
وفي 21 سبتمبر، تفاخر زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي بأنهم يصنعون أسلحتهم «من الصفر». ورغم أن المجلة تشكك في مدى دقة هذا الادعاء، فإنها تشير إلى تزايد قناعة المحللين بأن جزءاً كبيراً من ترسانة الحوثيين بات يُصنع محلياً.
ونقلت «الإيكونوميست» عن فابيان هينز، من مركز أبحاث التسلح في النزاعات (CAR)، قوله إن سرعة وطموح الإنتاج العسكري للحوثيين فاجآ الكثير من المراقبين، مشيراً إلى أن معظم أسلحة الجماعة لا تزال تعتمد على تصاميم إيرانية، لكن بعض الأنظمة، مثل الطائرات المسيّرة متوسطة المدى، يمكن تصنيعها إلى حد كبير دون الحاجة إلى قطع غيار إيرانية.
وبحسب المجلة، يجري الإنتاج العسكري الحوثي في الغالب بعيداً عن الأنظار، داخل كهوف ومواقع في المرتفعات اليمنية، الأمر الذي يجعل مراقبته أكثر صعوبة.
الصين تتفوق على إيران في توريد مكونات الأسلحة
تشير بيانات مؤسسة القرن، وهي مركز أبحاث في نيويورك، إلى تحول واضح في طبيعة الشحنات المهربة إلى مناطق سيطرة الحوثيين خلال العقد الماضي.
ففي السابق، كانت معظم الشحنات المضبوطة تحتوي على أسلحة جاهزة للاستخدام، مثل البنادق والصواريخ، وكانت إيران المورد الأكبر لها في منتصف العقد الماضي.
أما في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت غالبية الشحنات تضم مكونات وقطعاً تستخدم في تصنيع الأسلحة، مثل المحركات والأسلاك والمراوح، مع تفوق الصين على إيران لتصبح المصدر الأكبر لهذه السلع.
وتكمن خطورة هذه المواد في أن كثيراً منها مزدوج الاستخدام، أي يمكن توظيفها في أغراض مدنية وعسكرية على حد سواء، وهو ما يتيح لشبكات التهريب التحايل على الرقابة، عبر وضع ملصقات تجارية مضللة، مثل «معدات صناعية»، على شحنات مخصصة لتصنيع الطائرات المسيّرة.
وفي أكتوبر، أشارت منظمة «كار» إلى أن أجزاء من صاروخ باليستي إيراني الصنع، ضُبط في ميناء عدن الخاضع لسيطرة الحكومة اليمنية، كانت قد صُنعت حسب الطلب لدى شركة صينية.
وتقول المجلة إن مسؤولين سعوديين اشتكوا للصين من هذه الأنشطة، لكن دون تحقيق نتائج تذكر. ونقلت عن دبلوماسي غربي قوله إن الصين تغض الطرف عن تورط مواطنيها في تجارة تدعم صناعة الأسلحة الحوثية.
يرى التقرير أن تفكيك شبكات الإمداد الحوثية يمثل مهمة بالغة الصعوبة، حتى مع العقوبات الأمريكية وحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على الجماعة منذ أكثر من عقد.
فالمهمة الدولية المكلفة بتفتيش السفن المتجهة إلى الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون، وفق المجلة، محدودة الصلاحيات، إذ تكتفي بإبلاغ السعودية وحلفائها عن السفن المشبوهة، دون امتلاك صلاحية إيقافها بنفسها.
وحتى لو أمكن تشديد الرقابة البحرية، فإن جزءاً كبيراً من الشحنات سيجد طرقاً بديلة للوصول إلى الحوثيين؛ إذ تُنقل بعض البضائع براً عبر الإمارات وسلطنة عُمان، فيما تمر شحنات أخرى عبر جيبوتي والصومال.
ونقل التقرير عن تيم ليندركينغ، المبعوث الأمريكي السابق إلى اليمن خلال الفترة من 2021 إلى 2025، قوله إن الحوثيين ينقلون البضائع المهربة من القوارب الكبيرة إلى القوارب الصغيرة، ثم إلى قوارب أصغر، قبل نقلها باستخدام الحيوانات وحتى على ظهور الأشخاص.
كما يلجأ المهربون إلى إخفاء الذخائر داخل شاحنات تنقل الفواكه والخضروات، مستفيدين من صعوبة التفتيش وتعدد طرق النقل.
وتتفاقم المشكلة بسبب ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية اليمنية، التي تتوزع فيها السلطات الأمنية والعسكرية بين أطراف مختلفة.
ونقل التقرير عن براء شيبان، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، قوله إن تعدد الفصائل التي تسيطر على غرف العمليات المختلفة يجعل عملية التنسيق «كابوساً».
المخدرات.. مصدر رئيسي لتمويل الحوثيين
في سياق موازٍ، يكشف تقرير لموقع «ستراتيجي بيج» الأمريكي أن تجارة المخدرات تمثل أحد مصادر الدخل الرئيسية للحوثيين، وتوفر لهم أموالاً لتمويل عملياتهم العسكرية والأنشطة التي تسهم في تدمير الاقتصاد اليمني وإلحاق أضرار واسعة بالمجتمع.
ويتهم التقرير الحوثيين بالتعاون مع عصابات إجرامية دولية، من بينها عصابة «براتفا» الروسية، لتوزيع المخدرات في أنحاء مختلفة من العالم، بما فيها مدينة نيويورك وعدد من المدن الكبرى.
ووفقاً للتقرير، يهرّب تجار المخدرات اليمنيون أكثر من 14 طناً سنوياً من المواد المخدرة، تشمل الكوكايين والهيروين وحبوب الكبتاغون والحشيش والميثامفيتامين، فيما تحولت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى أسواق مفتوحة لتداول مختلف أنواع المخدرات.
وتتم عمليات النقل عبر مسارات معقدة، تعتمد على المراكب الشراعية وقوارب الصيد والسفن الصغيرة، التي تنقل الشحنات عبر البحر الأحمر وبحر العرب، وغالباً ما تُخفى بين البضائع التجارية المشروعة.
كما تُنقل بعض الشحنات براً إلى دول أخرى في شبه الجزيرة العربية، قبل تهريبها بحراً إلى وجهات عربية وأفريقية مختلفة. ويشير التقرير إلى ضبط شحنات من المخدرات اليمنية قبالة سواحل أمريكا الجنوبية.
ولا تقتصر خطورة تجارة المخدرات، بحسب التقرير الأمريكي، على الأموال التي توفرها للحوثيين، بل تمتد إلى استخدامها في استقطاب المقاتلين والتأثير على المجتمع في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
ويقول التقرير إن عائدات هذه التجارة تتيح للجماعة شراء الأسلحة واستقطاب الشباب اليمنيين للقتال إلى جانبها، فضلاً عن تجنيد بعضهم للمشاركة في عمليات توزيع المخدرات وتهريبها.
كما يتهم الحوثيين بتزويد المقاتلين الشباب، وكثير منهم مراهقون، بحبوب الكبتاغون التي يُقال إنها تمنحهم نشاطاً أكبر وقدرة على القتال بشراسة، الأمر الذي يؤدي إلى إدمان العديد منهم وتحويلهم إلى عناصر أكثر ارتباطاً بالجماعة.
ويضيف التقرير أن توزيع المخدرات بين الشباب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين يسهم في زعزعة استقرار المجتمع، وإضعاف أي مقاومة منظمة للجماعة، فضلاً عن توفير مجندين جدد لأنشطتها العسكرية.
الحوثيون.. مشروع إيراني
وتربط «الإيكونوميست» بين تطور القدرات العسكرية للحوثيين والاستراتيجية الإيرانية التي تسعى إلى تمكين حلفائها من إنتاج أسلحتهم محلياً، بما يسمح لهم بمواصلة القتال حتى في حال انقطاع الإمدادات الخارجية.
وتشير المجلة إلى أن إيران، في إطار ما يعرف بمبدأ «الدفاع الفسيفسائي»، عملت على جعل مختلف قطاعات قواتها المسلحة قادرة على القتال بصورة مستقلة، وتتبنى نهجاً مشابهاً مع الجماعات المسلحة المنضوية ضمن محور نفوذها الإقليمي.
ونقل التقرير عن فابيان هينز قوله إن إيران بذلت جهوداً لتمكين حلفائها من الإنتاج العسكري المحلي، مشيراً إلى أن حزب الله اللبناني سعى بدوره إلى تصنيع الطائرات المسيّرة وتطوير الصواريخ وتحويلها إلى أسلحة موجهة بدقة، قبل أن تتعرض قدراته لضربات إسرائيلية، وتتضرر طرق تهريبه عبر سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد.
لكن الحوثيين، بحسب المجلة، يتمتعون بوضع أفضل، إذ لا يزالون يحصلون على كميات كبيرة من الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية من إيران، بالتوازي مع محاولاتهم تجاوز الاعتماد الكامل على النظام الإيراني.
كما سعوا إلى الحصول على دعم روسي، ويعملون على توطيد علاقاتهم مع الجماعات المسلحة في أفريقيا، في إطار مساعٍ لتوسيع نفوذهم خارج اليمن.
ونقلت المجلة عن باربرا ليف، الدبلوماسية الأمريكية السابقة، قولها إن الحوثيين يريدون أن يكونوا «إيران مصغرة في جوارهم»، في إشارة إلى طموحات الجماعة المتزايدة وقدراتها العسكرية التي باتت تتجاوز حدود اليمن.
