من المرجح أن الحوثيين يدعمون قراصنة لضرب الملاحة الدولية، في الوقت الذي بدأ قطاع الشحن البحري يتعافى مع توقف الحرب مع إيران ومعارك البحر الأحمر، وفق ما أفاد موقع أمريكي متخصص بالشؤون العسكرية.
وتزايدت هجمات القراصنة الصوماليين على السفن في منطقة خليج عدن، وسط توترات مستمرة في الخليج العربي بين الولايات المتحدة وإيران، وتشير إحدى فرق العمل العسكرية الإقليمية إلى أن جماعات القرصنة الصومالية قد تستغل هذا الوضع. وركز تقرير موقع «TWZ» العسكري بشكل مكثف على دور الحوثيين في تصعيد الهجمات البحرية الأخيرة، مشيراً إلى أنهم يستخدمون القراصنة الصوماليين كوكلاء لخوض ما يُعرف بـ "حرب المنطقة الرمادية".
ووفقاً للتحليل الذي استند إلى تقرير من مركز أبحاث "مشروع الأمن الأمريكي" (ASP)، فإن هذا التكتيك يوفر للحوثيين ولإيران، بصفتها الداعم الرئيسي لهم، مساحة من "الإنكار المعقول" للمسؤولية المباشرة عن الفوضى البحرية.
وتسمح هذه الإستراتيجية للحوثيين بزيادة حالة انعدام الأمن الملاحي في خليج عدن وتحقيق مكاسب إستراتيجية غير مباشرة، وذلك دون الحاجة إلى تحمل المخاطر العسكرية الكبيرة المرتبطة بتجدد التصعيد المباشر والمكشوف في مضيق باب المندب. وفق الموقع الأمريكي.
الحوثيون والقرصنة في البحر الأحمر.. كيف يشكلان معضلة أمنية لدول المحيطين الهندي والهادئ؟
مخاطر أمنية
بغض النظر عن ذلك، فإن هذه الحوادث تشكل مخاطر أمنية متزايدة على صناعة الشحن التجاري التي تعاني بالفعل من اضطرابات بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها المستمرة، والتي بدأت تتصاعد مرة أخرى بعد حوالي أسبوع من الهدوء.
ووقع أحدث هجوم للقراصنة يوم الأحد الماضي، بتعرض سفينة شحن ترفع علم بالاو، لهجوم من قبل قراصنة في البحر الأحمر لكنها أبحرت وطاقمها بخير، وفق ما قال الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، أرسينيو دومينغيز، خلال اجتماع للمنظمة يوم الاثنين.
وقال دومينغيز "لكن هذا الحادث يُذكّر الدول التي ترفع أعلامها، ومالكي السفن، ومشغليها بضرورة توخي الحذر واتباع أفضل الممارسات الإدارية لمكافحة هذه الحوادث".
وذكرت البحرية الهندية أن هناك محاولة هجوم أخرى وقعت في 2 يوليو عندما اقترب قراصنة من سفينة الشحن السائبة "إم في جولدن أرسنال" التي ترفع علم سانت فنسنت وجزر غرينادين.
كما دعت المنظمة البحرية الدولية يوم الاثنين إلى "الإفراج الآمن عن 44 بحاراً محتجزين في المياه الصومالية من قبل قراصنة ولصوص مسلحين"، وقالت إنها سجلت خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، 24 محاولة وحادثة قرصنة وسطو مسلح على سفن في المنطقة، استخدمت فيها أسلحة بالغة الخطورة.
وأوضح دومينغيز "يُحتجز البحارة على متن ثلاث سفن محتجزة: MT Honour 25 و Eureka وSward، والتي تم اختطافها في حوادث منفصلة بين شهري أبريل ومايو قبالة سواحل الصومال وفي خليج عدن".
تمثل أرقام المنظمة البحرية الدولية زيادة كبيرة مقارنة بالماضي. وقال دومينغيز "سلطت هذه الحوادث الضوء على تدهور الأوضاع الأمنية البحرية العالمية، لا سيما فيما يتعلق بالقرصنة والسطو المسلح في البحر الأحمر وخليج عدن".
عودة القرصنة إلى الظهور
بحسب تقديرات البنك الدولي، حققت جماعات القرصنة أرباحًا تتراوح بين 339 و413 مليون دولار أمريكي خلال الفترة من 2005 إلى 2012. وسجلت عملية أتالانتا -قوة أوربية لمكافحة القرصنة- 26 هجومًا للقراصنة بين عامي 2013 و2019، ثم توقفت الهجمات تمامًا بين عامي 2020 و2022.
إلا أن القرصنة عادت للظهور قبالة السواحل الصومالية بست هجمات في عام 2023، ثم ارتفعت إلى 22 هجومًا في عام 2024. وقد دفعت الزيادة الأخيرة في هجمات القراصنة مركز المعلومات البحرية المشتركة إلى رفع مستوى التهديد في المنطقة.
وأعلنت اللجنة المشتركة للمعلومات البحرية يوم الاثنين أن "مستوى التهديد يُقيّم بأنه كبير بعد وقوع 7 حوادث قرصنة منذ 11 يونيو في خليج عدن"، وأكدت "بأن عمليات القرصنة البحرية احتمال قوي، لا سيما في المناطق الساحلية وممرات العبور وغيرها من مناطق تشغيل القوارب الصغيرة".
انطلقت عملية أتالانتا، عام 2008 بعد تصاعدٍ كبيرٍ في نشاط القرصنة في المنطقة في وقتٍ سابق، وكانت إحدى الجهود الدولية المتعددة لمكافحة القرصنة بما فيها عمليتان لحلف الناتو. كما دفعت الهجمات شركات الشحن للاستعانة بقوات أمنية خاصة مسلحة لحماية سفنها.
وقد شهدت وتيرة هجمات القرصنة تقلباتٍ على مر السنوات اللاحقة، ورغم أنها لا تزال بعيدة عن مستويات الذروة التي سُجلت في أوائل العقد الثاني من الألفية، وقال متحدث باسم أتالانتا قائلاً: "شهدنا في الأشهر الأخيرة ذروة في حوادث القرصنة في المنطقة".
وأشار المتحدث إلى أن هناك أسباب مختلفة يُحتمل أن تكون وراء الوضع الذي نعيشه حالياً مع القرصنة، بعضها متكرر مثل الأحوال الجوية في البحر أو الوضع الصعب الذي يواجهه بعض السكان الصوماليين؛ والبعض الآخر مرتبط بعدم الاستقرار الحالي في المنطقة، وفق ما نقل الموقع الأمريكي.
وقالت أتالانتا، أن الوضع في مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران إلى حد كبير بعد تعرضها للهجوم في 28 فبراير، يخلق "تأثيرات غير مباشرة" أدت إلى زيادة هجمات القراصنة. لافتا أنه "يمكن ملاحظة التأثير غير المباشر في المنطقة من خلال تزايد انعدام الأمن البحري فيها".
دعم الحوثيين للقراصنة
وفي الوقت نفسه، افترض مركز الأبحاث "مشروع الأمن الأمريكي" (ASP) أن قراصنة الصومال يتلقون الدعم من المتمردين الحوثيين في اليمن.
وأشار تقرير صادر عن منظمة "إيه إس بي" في مايو/ أيار إلى أن "الحوثيين يرون في حالة عدم الاستقرار الناجمة عن القرصنة الصومالية ميزة استراتيجية غير مباشرة، إذ تزيد من انعدام الأمن البحري في خليج عدن دون أن تُحمّل الجماعة اليمنية المخاطر الجسيمة المرتبطة بتصعيد جديد في مضيق باب المندب".
وأشار تقريراً للأمم المتحدة صدر عام 2025 أن الحوثيين توسطوا في نقل أسلحة إلى حركة الشباب، مقابل زيادة القرصنة التي تستهدف السفن التجارية قبالة السواحل الصومالية، كما يُشير تقرير آخر إلى أن الحوثيين زوّدوا قراصنة صوماليين بأجهزة تتبع متطورة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، مما مكّنهم من تعطيل السفن التجارية.
وتُؤكد التكهنات بأن هجوم القرصنة الذي وقع في 2 مايو/أيار تم بالتنسيق مع استخبارات الحوثيين على تزايد التداخل بين هاتين الجماعتين". وأضافت منظمة "إيه إس بي": "بالنظر إلى قرب الصومال من طرق بحرية رئيسية، فإن عودة القرصنة تثير مخاوف من استغلالها كأداة لتحقيق أهداف بحرية لجهات فاعلة إقليمية غير حكومية".
والأهم من ذلك، أن استغلال الحوثيين للقرصنة الصومالية يمنح إيران والجماعة اليمنية الوكيلة لها غطاءً مقنعاً لإنكار أي تورط في تعطيل الملاحة البحرية وسط الصراع الأمريكي الإيراني، مما يعقد الأمن الإقليمي، وفق التقرير.
وحذّرت السلطات في ولاية بونتلاند الصومالية أن التعاون بين جماعات القرصنة الصومالية والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن يُمثّل تهديدًا كبيرًا للأمن البحري في القرن الأفريقي، وفقًا لما ذكره منتدى الدفاع الأفريقي التابع للقيادة في يناير/كانون الثاني.
وأضاف المنتدى أن "العلاقة المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، التابعة لتنظيم القاعدة، تشمل صلات بالقرصنة، وقد أسفرت عن استخدام جماعات القرصنة لأسلحة وتقنيات أكثر تطورًا حصلت عليها من الحوثيين".
أجبرت هجمات الحوثيين الولايات المتحدة وحلفاءها على نشر العديد من السفن الحربية، بما في ذلك مجموعتي حاملات الطائرات "أيزنهاور" و "ترومان "، للدفاع ضد هجمات الحوثيين وضرب أهداف في اليمن. وقد أسفرت هذه العمليات عن إنفاق كبير على ذخائر الدفاع الجوي والضربات الجوية.
هدد الحوثيون باستئناف الهجمات دعماً لإيران، وهو سيناريو محتمل، وبوم الاثنين أبلغت عملية أسبيدس، أنها مستعدة للتحرك في حال شن الحوثيون هجوماً آخر. وقال متحدث باسم أسبيدس "لا يزال الوضع الأمني في باب المندب هشاً، ويتأثر بشدة بأي تصعيد إقليمي. ومن وجهة نظر عملياتية، نرى أن الحوثيين يشكلون تهديداً، وقادرون على تصعيد الوضع بسرعة".
وأضاف المتحدث: "نحافظ على وجود دائم في البحر، ونراقب الوضع، ونعدّل تحركاتنا عند الحاجة. وفي حال استئناف الحوثيين لهجماتهم على السفن التجارية -وهو أمر لا يزال وارداً- فإننا حاضرون ومستعدون لتنفيذ مهمتنا، في حدود إمكانياتنا وقدراتنا".
الملاحة في البحر الأحمر
وعلى الرغم من تزايد خطر القراصنة، أخبرنا متحدث باسم شركة ميرسك للشحن أن الشركة استأنفت عمليات العبور في البحر الأحمر التي توقفت أثناء هجمات الحوثيين.
وصرح متحدث باسم شركة ميرسك صباح الثلاثاء: "أعلنا أمس أن إحدى خدماتنا ستعود إلى مسار السويس/البحر الأحمر بدلاً من الإبحار حول رأس الرجاء الصالح. وقبل ذلك، قمنا في الأشهر الأخيرة بتحويل مسار بعض السفن إلى هذا الممر، ولكن ليس بشكل منتظم."
وساهم وقف إطلاق النار الهش، الذي يسري منذ 8 أبريل، في الحد من خطر استئناف الحوثيين للأعمال العدائية في البحر الأحمر. ومع ذلك، فقد بات هذا الوقف تحت ضغط مجدداً، حتى مع ازدياد حركة العبور عبر مضيق هرمز، وإن كانت لا تزال ضئيلة مقارنةً بما كانت عليه قبل الحرب.
وفجر اليوم الأربعاء أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها بدأت تنفيذ "سلسلة ضربات قوية" على إيران، مؤكدة أن الهجمات تهدف إلى "فرض ثمن باهظ" على ما وصفته باستهداف طهران سفنا تجارية تُقل مدنيين في ممر مائي دولي.
وقالت القيادة إن الضربات جاءت ردا على هجمات إيرانية استهدفت 3 سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز، ووصفت تلك الهجمات بأنها "غير مبررة وخطيرة" وتمثل "انتهاكا واضحا لوقف إطلاق النار".
ورغم أن قراصنة الصومال لا يشكلون تهديداً مماثلاً لتهديد الحوثيين بإغلاق الملاحة في البحر الأحمر، أو تهديد إيران في مضيق هرمز، إلا أن الوضع مثير للقلق، في الوقت الذي تعاني الملاحة التجارية تعاني أصلاً من ضغوط في المنطقة، وتزايد هجمات القراصنة يزيد الوضع سوءاً.