إريتريا وتهريب السلاح الإيراني إلى اليمن.. كيف يتمدد الحوثيون في القرن الأفريقي؟

إريتريا وتهريب السلاح الإيراني إلى اليمن.. كيف يتمدد الحوثيون في القرن الأفريقي؟
اليمن-

كشفت تقرير أمريكي عن توسع علاقة الحوثيين المدعومين من إيران بجماعات في القرن الأفريقي، وتستخدم الجماعة إرتيريا كمركزتهريبآخر للأسلحة القادمة من طهران إلى اليمن، ضمن شبكة متداخلة تعمل من أجل وصول السلاح إلى اليمن.

ووفق تقرير مطول نشرته مؤسسة «The Century»الأمريكية، تستخدم إريتريا كمركز تهريب آخر للأسلحة الإيرانية المتجهة إلى اليمن، حيث تُنقل الأسلحة التي تمر عبر إريتريا بين السفن حول أرخبيل دهلك، وهو مجموعة من الجزر الصغيرة في البحر الأحمر، ثم تُرسل إلى الحوثيين.

ونقل التقرير عن مصادر يمنية وإقليمية "أن الحوثيين يعيدون ترسيخ وجودهم في إريتريا، بدعم إيراني مجدداً". وهذا يعني أن الحوثيين قد بنوا قاعدة لوجستية تمتد، بشكل متقطع، على طول السواحل الأفريقية لخليج عدن والبحر الأحمر، من شمال شرق الصومال إلى شمال السودان.

يستند التقرير إلى بحث مبتكر يستعرض تواجد الحوثيين في القرن الأفريقي وجواره، ويطرح فكرة أن الجماعة تحاول ترسيخ نفسها كقوة جديدة في منظومة "محور المقاومة الإيراني" في المنطقة.

وأستند التقرير إلى كم هائل من البيانات التي جُمعت في التقارير السابقة، وأعتمد على نحو 100 مقابلة معمقة مع خبراء ومصادر سرية، من بينهم مسؤولون عسكريون وأمنيون واستخباراتيون رفيعو المستوى، وتُعدّ المصادر الأكثر ترجيحًا لتقديم معلومات حول أنشطة الحوثيين مدفوعةً بمعارضتها للجماعة.

image

طرق التهريب الحالية وسلاسل الإمداد الحوثية (المصدر: (Century International)

تعمق الحوثيين في القرن الأفريقي

في خريف عام 2024، ألقت قوات الأمن في المكلا، وهي مدينة ساحلية صغيرة جنوب اليمن، القبض على رجل صومالي يُدعى أحمد علمي سماتر، وخلال التحقيق، اعترف سماتر بأنه كان وسيطًا بين حركة الشباب، الفرع الصومالي لتنظيم القاعدة، وجماعة الحوثيين المدعومة من إيران.

وعلى مدار عام 2024، سهّل سماتر سفر ما يصل إلى 400 مواطن صومالي لتلقي تدريبات عسكرية وأيديولوجية في معسكرات تدريب الحوثيين، كما ساعد مهندسين حوثيين على السفر إلى جليب، العاصمة الفعلية للأراضي التي تسيطر عليها حركة الشباب في الصومال.
لا يُمثل التواجد المفاجئ للحوثيين في الصومال سوى جانب واحد من جهودهم المتعددة الأوجه لتوسيع وجودهم ونفوذهم على طول الساحل الأفريقي لخليج عدن والبحر الأحمر. وفق التقرير الأمريكي.

فمنذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، رسّخت الجماعة اليمنية، منفردةً وبالتنسيق مع إيران، مكانتها كلاعب رئيسي في التجارة غير المشروعة في اليمن وجوارها؛ وجنّدت مهاجرين من دول أفريقية للعمل كمهربين وجواسيس وجنود؛ وأقامت علاقات ليس فقط مع حركة الشباب، بل أيضاً مع فصائل اسلامية داخل القوات المسلحة السودانية.

يصف التقرير تعمق الحوثيين في القرن الأفريقي وجواره، ويطرح فكرة أن الجماعة تسعى إلى ترسيخ وجودها كمركز جديد لنشاط "محور المقاومة" في المنطقة، حيث بدأ تواصل الحوثيين مع الجماعات الأفريقية قبل أكثر من عقد من الزمن، في شكل مبادرات ارتجالية مدفوعة بالمصلحة الآنية، كحلول انتهازية للالتفاف على حظر الأسلحة وعمليات مكافحة التهريب

لكن مع مرور الوقت، تراكمت هذه العلاقات المختلفة لتشكل مشروعًا أوسع، وإن كان لا يزال في مراحله الأولى، وتشير أدلة متزايدة إلى أن تواصل الحوثيين جزء من استراتيجية مُخططة ومنفذة من قبل مجموعة أساسية من العناصر المتمركزة في صنعاء.

image
خريطة توضح توسع شبكات التهريب الحوثية (المصدر: Century International)

إريتريا بوابة لتهريب السلاح

ونقل التقرير عن مصادر يمنية وإقليمية أيضاً أن الحوثيين يعيدون ترسيخ وجودهم في إريتريا، بدعم إيراني مجدداً، مشيرا أن هذا يعني أن الحوثيين قد بنوا شبكة لوجستية تمتد، بشكل متقطع، على طول السواحل الأفريقية لخليج عدن والبحر الأحمر، من شمال شرق الصومال إلى شمال السودان.

كما هو الحال في الصومال والسودان، بنى للحوثيين علاقات طويلة الأمد مع إريتريا، توقفت في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، ثم استؤنفت وسط تغيرات الجغرافيا السياسية الإقليمية في العقد الثاني

ويقول قادة المعارضة الإريترية وتقارير إعلامية أن الحرس الثوري الإيراني قدّم تدريبات للحوثيين في إريتريا بدءًا من عام 2009 على أبعد تقدير، عقب توقيع اتفاقية تعاون بين إريتريا وإيران في ذلك العام

بعد الخلاف الذي نشب بين الرياض وطهران عام 2016، تحالفت إريتريا، مثل السودان، مع السعودية والإمارات، مما سمح لأبو ظبي بإنشاء قاعدة عسكرية في ميناء عصب الجنوبي لدعم عملياتها في اليمن

إلا أن العلاقات بين أبو ظبي وأسمرة توترت مع تقارب الإمارات بشكل أوثق مع إثيوبيا، جارة إريتريا وخصمها اللدود، التي سعت منذ زمن طويل إلى الوصول إلى أجزاء من ساحل إريتريا، بما في ذلك عصب، أو حتى ضمها

ومع تصاعد التوترات بين إريتريا وإثيوبيا، أعادت أسمرة علاقاتها مع طهران وانضمت إليها في دعم القوات المسلحة السعودية في حرب السودان، تشير تقارير عديدة بأن الإمارات قوات الدعم السريع على الرغم من نفي المسؤولين الإماراتيين دعمهم للجماعة.

كما تبرز الآن إريتريا بأنها تُستخدم أيضاً كمركز تهريب آخر للأسلحة الإيرانية المتجهة إلى الحوثيين في اليمن، تُنقل الأسلحة التي تمر عبر إريتريا بين السفن حول أرخبيل دهلك، وهو مجموعة من الجزر الصغيرة في البحر الأحمر، ثم تُرسل إلى اليمن

ومع ذلك، أظهر تحقيق مكثف مفتوح المصدر لمواقع التهريب المزعومة باستخدام صور الأقمار الصناعية وبرامج كشف نظام التعرف الآلي (AIS) نشاطاً ضئيلاً أو معدوماً في مواقع التهريب المحددة في منطقة دهلك.

ومما يزيد الأمر تعقيداً، هو ما أفادت به مصادر إريترية وإثيوبية بأن الحوثيين يحتفظون أيضاً بعلاقات مع جماعات المعارضة الإريترية. وفق التقرير.

توسع يحاكي حزب الله

تكتسب استراتيجية توسع الحوثيين أهمية بالغة لأنها تُحاكي إلى حد كبير جهود إيران وحزب الله اللبناني، في أوائل ومنتصف العقد الأول من الألفية الثانية، لتشكيل الجماعات المسلحة غير الحكومية التي رعوها في شبكة واسعة النطاق في الشرق الأوسط، والتي أصبحت فيما بعد محور المقاومة.

منذ عام 2003 عمل فيلق القدس في لحرس الثوري الإيراني وحزب الله على بناء وتوسيع العلاقات القائمة لتعزيز تحالفاتهما السياسية والعسكرية والاقتصادية، مع مرور الوقت، وضع الحرس الثوري وحزب الله خطة عمل لبناء قدرات الجماعات المسلحة

ففي البداية، قاموا بتدريب الجماعات -بما في ذلك الحوثيين والفصائل المسلحة العراقية- على القتال باستخدام تكتيكات حرب العصابات التقليدية. ثم قاموا بتدريب تلك الجماعات على استخدام أسلحة إيرانية متطورة لضرب أهداف تبعد مئات، بل آلاف الكيلومترات

وفي وقت لاحق، قاموا بتدريب جماعات المحور على تصنيع أسلحتها الخاصة من قطع غيار متوفرة تجاريًا. في حالات قليلة جداً، مثل حالة الحوثيين، تقدمت جماعات المحور عبر كل هذه المراحل ثم واصلت استقطاب حلفاء جدد وبناء شبكاتها الخاصة.

يُبيّن هذا التقرير كيف تُصبح الجماعات التي تستوعب تدريبات المحور وتتّفق مع استراتيجية الحرس الثوري الإيراني أكثر قوةً وأكثر ارتباطًا بطهران وببعضها البعض

ويجادل الكاتب أيضاً بأنه مع تطور قدرات الجماعات المستقلة في الوقت نفسه وازدياد ترابطها مع بعضها البعض ومع الاقتصاد العالمي، فقد تحول محور المقاومة إلى نوع جديد من القوة: نظام معقد وقابل للتكيف.

ما وراء المحور الإيران

يشير التحليل إلى إطار «ما وراء المحور الإيراني» لفهم المنظومة الآخذة في التشكل، فهذه المنظومة لا تقتصر على الحدود الصارمة التي تفرضها المؤسسات أو الأطر التحليلية، بل تتطور باستمرار وتُعيد تشكيل نفسها على نحو متواصل.

والحوثيون، الذين كانوا يُنظر إليهم سابقًا كطرفٍ في المحور، أصبحوا الآن مركزًا لتوسّع المنظومة، ولا تزال هذه الجهود في مراحلها الأولى، وليس من المؤكد نجاحها بأي حال من الأحوال.

ولكن حتى بعض المكاسب المحدودة نسبيًا لديها القدرة على جعل الحوثيين والمحور أكثر قدرة على الصمود في وجه حظر الأسلحة وجهود مكافحة التهريب -وفق التقرير- ومنح الحوثيين خياراتٍ أكثر لتهديد التجارة العالمية والدول المجاورة، وبناء قدرات الجماعات المسلحة الوحشية، مع تعميق الترابط وخطوط الصدع عبر العديد من الصراعات المعقدة في خليج عدن والبحر الأحمر.

يبدأ التقرير بمناقشة كيف أدى توطيد الحوثيين سيطرتهم على الاقتصاد غير المشروع في اليمن إلى فتح آفاق جديدة أمامهم في خليج عدن، قبل أن يتناول كيف ساهم عودة الحرس الثوري الإيراني إلى السودان وإريتريا في توسيع الروابط الإقليمية في البحر الأحمر وزيادة فرص بناء القدرات لدى الجماعات الأفريقية التي رعوها.

ويؤكد التقرير أنه، حتى لو بدأت مساعي الحوثيين للتواصل مع جيران اليمن الأفارقة كمجموعة متفرقة من الرهانات الانتهازية، فقد تطورت إلى استراتيجية مدروسة ومقصودة، مستوحاة بشكل كبير من أساليب الحرس الثوري الإيراني وحزب الله السابقة.

ويختتم التقرير بتوصيات حول كيفية تطبيق إطار سلم القدرات لتتبع علاقات الحوثيين وجهودهم في بناء القدرات في المنطقة، وذلك لمساعدة صانعي السياسات على استهداف وتخطيط تدخلات أفضل لا تؤدي ببساطة إلى تفاقم ديناميكيات الصراع في منطقة مضطربة أصلاً.

لا تزال الأدلة شحيحة على انتقال الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي أو الخبرة التصنيعية التي جعلت الحوثيين خطرين إلى أي من الجماعات غير الحكومية التي يدعمونها. لكن عمليات نقل القدرات غالبًا ما تتضح بعد وقوعها. وفق التقرير

ومع ذلك، فإن نوايا الحوثيين وسعيهم الحثيث واضحان، إذ يسعون إلى أن يصبحوا قوة مؤثرة في خليج عدن والبحر الأحمر، ضمن مسعى أوسع لتحقيق مكانة القوة الإقليمية، ويضيف الحوثيين تعقيدات جديدة إلى منطقة مضطربة أصلًا، ويُخاطرون، بتفاقم معاناة اليمنيين وجيرانهم الأفارقة على حد سواء.

ولعل الأهم من ذلك -كما يُبين تقرير "ما وراء المحور"- أن أفضل وقت لقطع العلاقات الناشئة بين الحوثيين والجهات المسلحة الأخرى هو الآن، في حين أن علاقاتهم في أضعف حالاتها وأكثرها انتهازية.

فبمجرد أن تستوعب هذه الجماعات الأخرى دروس الحوثيين والتكنولوجيا الإيرانية، ستتعزز روابطها بالحوثيين، وستتجاوز تكاليف الانشقاق فوائد التعاون. ومع توطد هذه الروابط، ستتقلص الخيارات السياسية المتاحة أمام الجهات الإقليمية والدولية المعنية، وستصبح أكثر تكلفة.

تشابك منظومات الصراع

تتشابك خيوط الصراع والتنافس عبر البحر الأحمر وخليج عدن، بطرق قد تجرّ في نهاية المطاف الدول العربية والأفريقية المطلة على المنطقة، والجهات الفاعلة غير الحكومية، وداعميها الخارجيين، إلى صراع إقليمي أوسع نطاقًا وأكثر تعقيدًا.

وبنظرة مستقبلية، من خلال استلهام أساليب الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، يعمل الحوثيون ببطء على بناء شبكاتهم الخاصة عبر الممرين المائيين، مسرعين بذلك انتقالهم من بؤرة إلى مركز محوري. وفق التقرير.

وبذلك، يعززون قدرتهم على الصمود في وجه التدخلات السياسية الخارجية، ويعمقون ترسيخ منظومة المحور واليمن في المنطقة، بينما يخلقون في الوقت نفسه خطوط صدع جديدة للصراع.

ويشير التقرير، أنه لا يوجد ما يضمن نجاح أي من رهانات الحوثيين رغم أن تحقيق قدرات عسكرية متقدمة كتلك التي حققوها أمر نادر الحدوث، لكن حتى في ظل الظروف الراهنة، توجد حوافز قوية للجماعات المسلحة والجهات الفاعلة الحكومية للعمل مع الحوثيين وإيران والمحور.  

وإذا ما نجح رهان واحد، وتجاوزت حركة الشباب أو الفصيل الإسلامي السوداني عتبة القدرة على اختراق القدرات، فسيتعين على المنطقة مواجهة تهديد جديد خطير يتمثل في جهة فاعلة غير حكومية متقدمة تقنيًا، يصعب تعطيلها، وقادرة على شن ضربات دقيقة بعيدة المدى على خصومها. وفق التقرير.

قد يبدو هذا الاحتمال بعيد المنال، لكن صعود الحوثيين من متمردين محليين إلى تهديد إقليمي بدا كذلك أيضًا، فبحلول الوقت الذي تراكمت فيه أدلة كافية على أن الجماعة تستخدم بالفعل طائرات مسيرة وصواريخ إيرانية الصنع والتصميم.

وأنها انتقلت بهدوء من فاعل محلي إلى فاعل استراتيجي لا يستهدف اليمنيين فحسب، بل الأراضي السعودية والإماراتية أيضًا كان الوقت قد فات تقريبًا للتدخل الفعال، وكانت الجماعة قد بدأت بالفعل في بناء طائراتها المسيرة وشبكات توريد محلية ذات نطاق عالمي، وتطوير بنية تحتية بشرية كثيفة جعلتها بهذه المرونة.

تقلصت الخيارات السياسية المتاحة للتخفيف من خطر الحوثيين، وارتفعت تكاليف التدخل، كما أظهرت المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والحوثيين في البحر الأحمر عام ٢٠٢٥. واليوم، تُعزز علاقات الحوثيين عبر البحر الأحمر وخليج عدن قدرتهم على الصمود في وجه الجهود المبذولة لمنعهم من تهديد الملاحة البحرية العابرة لهذه الممرات المائية.

لذا، يتساءل صناع القرار: كيف سيبدو الوجود الحوثي في أفريقيا خلال عامين أو ثلاثة أعوام، وما هي قدرات حلفائهم، إذا استمرت المسارات الحالية؟ ويعتمد الجواب جزئيًا على القرارات المتخذة الآن، خلال مرحلة بناء العلاقات وقبل ترسيخ القدرات والعلاقات.

إذا لم تُحل نزاعات المنطقة والجهات الخارجية التي تُؤججها، واستمر توسع الحوثيين دون رادع، فإن المخاطر ستتفاقم، مع عواقب وخيمة على عامة الناس في اليمن والمنطقة بأسرها. وفق التقرير.

ويكمن التحدي أمام صناع القرار في البدء بالتفكير بما يتجاوز الحدود المفروضة اصطناعيًا، وبالنظر إلى تعقيدات المنظومة، وبدء تقييم من يتم تأهيلهم، وموقعهم على سلم القدرات، وبالتالي تحديد خيارات السياسات المتاحة ومن هذه النقطة، يُمكن بناء سياسات أكثر واقعية.