اليمن -
"يجب ألا تخطئ واشنطن مرة أخرى في اليمن باعتبار الهدوء سلاماً" كما يحذر مسؤول أمريكي سابق عمل في الأمن القومي، في مقال تساءل فيه، كيف أصبح مضيق باب المندب آخر ورقة رابحة لإيران؟
والأسبوع الماضي سيطر الحوثيين على مناطق جديدة تطل مباشرة على مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن الجنوب يوفر منفذاً عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط.
وكتب بريت ماكغورك، الذي شغل مناصب رفيعة في مجال الأمن القومي، تحليلاً في شبكة «سي إن إن»بأن الحوثيين "ذكروا العالم مرة أخرى بأنهم في وضع يسمح لهم بالبقاء بدعم مباشر من إيران، عنصراً غير متوقع في أي منافسة إقليمية على السلطة والنفوذ".
وأشار بأن خطوط المواجهة في اليمن تتغير باستمرار، وهناك تقارير تفيد بأن القوات الحكومية تُحضّر لهجوم مضاد، وأن واشنطن قد تُقدّم معلومات استخباراتية. وكان قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، قد زار السعودية مؤخراً لمراجعة الوضع.
لكنه حذر "مهما حدث بعد ذلك، يجب ألا تخطئ واشنطن مرة أخرى في اعتبار الهدوء سلاماً"، وقال "لقد تعلمت واشنطن بالطريقة الصعبة أن الهدوء في اليمن كان يخفي تحولاً استراتيجياً هاماً".
إيران تستغل الفرصة
أدى الصراع المستمر مع إيران إلى تسليط الضوء على مضيق هرمز وقد هاجمت إيران سفنًا لزيادة الضغط على واشنطن لوقف الحرب والسعي إلى السلام - وفق ماكغورك- "هذه التكتيكات صقلتها إيران قبل سنوات في باب المندب، وهي على أهبة الاستعداد لتكرارها".
ووفق التحليل "الآن، بات بإمكان الأسلحة التقليدية للحوثيين -المدفعية والصواريخ- ضرب السفن، وليس فقط الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى" وحتى الآن فلا تزال السفن تعبر مضيق باب المندب.
وصرّح ترامب بأن الحوثيين يدّعون عدم رغبتهم في المواجهة معنا، وأنهم سيسمحون بمرور السفن، لكن الحوثيين ليسوا مضطرين لإغلاق المضيق غداً، فقدرتهم على احتجاز الممر كرهينة تمنح طهران ورقة ضغط إضافية.
منذ عام 1979، سعت الحكومة الإيرانية إلى توسيع أيديولوجيتها ونفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وذلك بشكل رئيسي من خلال الحرس الثوري وقوة فيلق القدس، التي تقوم بتدريب وتجهيز الجماعات المسلحة في جميع أنحاء المنطقة.
الاستراتيجية واضحة -وفق ماكغورك- بناء شبكات مسلحة في الدول الضعيفة أو المنقسمة، مما يمنح طهران عمقاً استراتيجياً ونفوذاً دون الحاجة إلى القتال بشكل مباشر، وكانت شراكات الولايات المتحدة الإقليمية وخاصة المملكة العربية السعودية، أهدافاً رئيسية.
لم تُنشئ إيران الحوثيين، الذين يحتفظون بمصالحهم وطموحاتهم الخاصةـ لكن الأسلحة الإيرانية ومكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة والتدريب والخبرة التقنية ساعدت في تحويل تمرد محلي إلى قوة ذات تأثير عالمي.
السياسات الأمريكية المتغيرة
وسرد الكاتب والمسؤول الأمريكي السابق، بريت ماكغورك، تفاصيل التغييرات في السياسة الأمريكية في اليمن. وقال "قبل وقت قصير من تولي جو بايدن منصبه، وبعد أن تم تعييني منسقاً لشؤون الشرق الأوسط، كانت قضية اليمن من القضايا ذات الأولوية القصوى".
وكشف عن تلقيه، مكالمات من أعضاء مجلس الشيوخ والمنظمات الإنسانية والناشطين يحثوننا على فعل كل ما يلزم لوقف الحرب، وكانت الحرب الأهلية تدخل عامها السابع، وكان الوضع الإنساني مروعاً، لا سيما في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، الذين ضخوا الموارد في الحرب بينما اعتمدوا على المنظمات الدولية لإعالة المدنيين الخاضعين لسيطرتهم.
أدرج الرئيس دونالد ترامب الحوثيين على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وحذرت منظمات الإغاثة من أن هذا التصنيف يعرض عمليات الإغاثة لمخاطر قانونية، وقد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية.
ورداً على ذلك، ألغت إدارة بايدن التصنيف، وأنهت الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية السعودية، بما في ذلك مبيعات أسلحة معينة وعينت مبعوثاً خاصاً لمتابعة وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية.
في الوقت نفسه تقريباً، سحبت القوات الأمريكية أصولها الإقليمية، ونقلت الدفاعات الجوية من السعودية، والمدمرات ومجموعات حاملات الطائرات الضاربة من الشرق الأوسط. وتحول تركيز واشنطن نحو الدبلوماسية، لكن دون الدعم العسكري القوي الذي غالباً ما يكون ضرورياً لنجاحها.
مع تراجع الولايات المتحدة، ضاعفت إيران من جهودها - وفق ماكغورك- حيث زودت الحوثيين بالأسلحة عبر طرق التهريب البحرية والبرية، كما ساعد خبراء إيرانيون وعناصر من حزب الله في تجميع وتصنيع أسلحة متطورة، مع تصاعد هجمات الحوثيين على السعودية.
في أبريل/نيسان 2022، ساهمت الولايات المتحدة في التوسط في هدنة، بعد زيارة الرئيس بايدن إلى السعودية، وكان هناك أمل في أن تُمهد الطريق لتسوية سياسية أكثر استدامة، لكنها حولت الكفة لصالح الحوثيين.
وواصلت إيران تدريب وتجهيز حليفها لاستخدامه في استراتيجية إقليمية أوسع، وأطلق الحوثيين صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وهاجموا سفنًا تجارية في البحر الأحمر وباب المندب. وادّعوا الضغط على إسرائيل بشأن غزة، لكنهم في الواقع هاجموا سفنًا لا علاقة لها بالنزاع بهدف تعطيل ممر تجاري رئيسي.
الهجمات الأمريكية
وقال بريت ماكغورك "في العاشر من يناير عام 2024، التقيت سراً بمسؤولين إيرانيين في سلطنة عمان لاحتواء التصعيد الإقليمي، بعد شنّ الحوثيون أكبر هجوم لهم على سفن تجارية وقوات بحرية أمريكية، مستخدمين طائرات مسيّرة وصواريخ كروز مضادة للسفن وصواريخ باليستية".
وكان هذا أكبر هجوم على البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تكن هناك أي إصابات بفضل مهارة بحارتنا وأنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة.
وقال ماكغورك "لم يكن موقف إيران خفياً. فستدعم طموحاتها الإقليمية ودبلوماسيتها بشن هجمات ضدنا مع إنكارها للمسؤولية المباشرة".
"فشل الاجتماع في عُمان" -وفق ماكغورك- وفي الليلة التالية، أمر الرئيس بايدن بشن أولى الضربات الأمريكية الكبرى على أهداف عسكرية تابعة للحوثيين، بدعم من المملكة المتحدة وأستراليا والبحرين وكندا وهولندا، واستمرت الحملة بأشكال مختلفة لأكثر من عام.
في العام الماضي، أعاد الرئيس ترامب تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية، وصعّد الهجمات الأمريكية ضدها. وبعد سبعة أسابيع من الضربات الأمريكية، توسطت عُمان في التوصل إلى اتفاق يقضي بتوقف الولايات المتحدة عن قصف أهداف الحوثيين، وتوقف الحوثيين عن مهاجمة السفن الأمريكية، بدا الاتفاق وكأنه فرض نوعاً من الهدوء لفترة من الزمن.
وعن دروس قاسية. قال ماكغورك "لقد تعلمت واشنطن بالطريقة الصعبة أن الهدوء في اليمن كان يخفي تحولاً استراتيجياً هاماً".
فخلال السنوات التي توقفت فيها الحرب الأهلية إلى حد كبير، ساعدت إيران في إنشاء قوة مسلحة قادرة ليس فقط على تهديد المملكة العربية السعودية أو خوض حرب أهلية داخل اليمن، ولكن أيضاً على الوصول إلى إسرائيل واحتجاز التجارة العالمية كرهينة كلما اختارت القيام بذلك عن طريق إغلاق باب المندب.
