الحوثيون والحرب على إيران... حسابات البقاء تكبح اندفاعة الوكيل الإقليمي

اليمن - مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عاد اسم جماعة الحوثي في اليمن إلى واجهة التحليلات الدولية باعتبارها أحد أبرز حلفاء طهران في المنطقة. ورغم الخطاب التصعيدي والتهديدات التي أطلقتها الجماعة عقب الهجمات على إيران، إلا أن المراقبين يرون أن الدور الفعلي للحوثيين في هذه الحرب قد يبقى محدوداً، على الأقل في المرحلة الراهنة. وتناولت تقارير وتحليلات غربية، بينها تقرير لهيئة الإذاعة الألمانية DW وآخر لصحيفة The New Arab اللندنية، السيناريوهات المحتملة لدور الحوثيين في الصراع الإقليمي، بين الانخراط العسكري المباشر، أو الاكتفاء بدور رمزي، أو استخدام أوراق ضغط استراتيجية مثل تهديد الملاحة في مضيق باب المندب. الحوثيون يلوحون بالتصعيد دون تحرك فعلي بحسب تقرير DW، فإن جماعة الحوثي، المتحالفة مع إيران، اكتفت حتى الآن بإصدار بيانات غاضبة عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على طهران، دون اتخاذ خطوات عسكرية مباشرة. يتساءل المراقبون عما إذا كانت جماعة الحوثي قد تتصرف مرة أخرى لدعم إيران. يقول توماس فولك، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤسسة كونراد أدينهاور: إن الهجمات المضادة التي يشنها النظام الإيراني حالياً تُظهر أن هذا في الحقيقة صراع من أجل بقائه. ولهذا السبب، كما يقول، ستسعى إيران إلى تفعيل شبكتها من الوكلاء الإقليميين. فقد شنّ حزب الله في لبنان هجوماً على إسرائيل، وفي العراق، تستهدف الميليشيات المتحالفة مع إيران القواعد الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة. وقال فولك: إذا أدرك النظام أن هذه هي معركته الأخيرة، فسوف يحشد كل الموارد وسيحاول إشراك جميع الشركاء في هذه المعركة. وهذا يشمل الحوثيين. لكن من المشكوك فيه أن يرد الحوثيون، كما يقول عبد الغني الإرياني، وهو باحث بارز في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. ويوضح قائلاً: لن يكون للحوثيين أي دور في هذه المواجهة، لأن فائدتهم كانت تكمن في إثارة المشاكل نيابةً عن إيران، مع منحها هامشاً للإنكار. أما الآن، وبعد أن باتت إيران تهاجم المنطقة بأسرها، فليس هناك قيمة تُذكر لمشاركة الحوثيين. ويوضح الإرياني أن الحوثيين قد يقومون بشيء رمزي، لكن من غير المرجح أن يفعلوا أي شيء له تأثير حقيقي، لأن الجماعة تركز في الوقت الحالي على توطيد موقعها في اليمن. في الخفاء، بذل الحوثيون محاولات لإعادة السعودية إلى طاولة المفاوضات لمناقشة مستقبل اليمن. ويشير إلى أنهم يُبدون مؤشرات على رغبتهم في التحول من المواجهة إلى التعاون ووقف العنف في اليمن. لكن الإرياني يضيف أنه إذا هاجمت إسرائيل الحوثيين فقد لا يكون أمامهم خيار سوى الانضمام إلى القتال. يقول فولك إنه على الرغم من تدمير العديد من المنشآت العسكرية الحوثية جراء الهجمات الأمريكية العام الماضي، فمن المحتمل أنها لا تزال قادرة على شن هجمات بطائرات بدون طيار أو صواريخ. مستقبل إيران ويتابع فولك قائلاً: إذا أضعفت الولايات المتحدة وإسرائيل النظام الإيراني الحالي، فسيكون لذلك عواقب على الحوثيين أيضاً، مضيفا إذا كان من الممكن القضاء على هذا النظام أو إضعافه بشكل كبير بحيث لم يعد يشكل تهديداً، فإن هذا يعني على المدى المتوسط إضعاف أو القضاء على الوكلاء - وكذلك الحوثيين. ويشير فولك إلى أن الحوثيين يحصلون على المال والأسلحة والدعم الأيديولوجي من إيران، وإذا خسروا ذلك، فمن المحتمل أن يتخذ المجتمع الدولي إجراءات أكثر حسمًا ضد الحوثيين. في غضون ذلك، يحذر الإرياني من استبعاد إيران تماماً. ويشير إلى أنه حتى بعد إضعافها، ستظل طهران تلعب دوراً في المنطقة بعد هذه الحرب، على الرغم من أن دعمها لوكلاء مثل الحوثيين سيكون محدوداً في المستقبل. ويشير الإرياني إلى أن الحوثيين لن يحصلوا على الكثير من الدعم من إيران في المستقبل، الأمر الذي سيجبرهم على التفاوض على اتفاق سلام عادل ومتوازن في اليمن. وقال لـ DW إن أحد السيناريوهات المحتملة هو أن يظل الحوثيون متشددين أيديولوجياً لكنهم يقدمون تنازلات سياسية براغماتية لتأمين السلطة في اليمن. وأدت هذه الحرب إلى تهميش المعتدلين في تنظيم الحوثيين، حيث يسيطر القادة العسكريون على الجماعة حالياً. لكن الباحث يقول إن مثل هذه البراغماتية ستضمن بقاءهم. بدوره، يعتقد فولك أن الجهات غير الحكومية المزعزعة للاستقرار مثل الحوثيين قد تضعف في جميع أنحاء المنطقة بسبب هذه الحرب، لدرجة أنها تصبح قابلة للسيطرة، على الأقل على المدى المتوسط. باب المندب... الورقة الأخطر أفاد تقرير نشرته صحيفة نيو عرب اللندنية أن جماعة الحوثي في اليمن ما تزال تحتفظ بقدرات تمكنها من تهديد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب الاستراتيجي، رغم ما تعرضت له من تراجع عسكري خلال الفترة الأخيرة، في ظل تصاعد الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وبحسب التقرير الذي أعده الكاتب أنييز بوفانو، فإن الحوثيين قد يستخدمون السيطرة الجغرافية على باب المندب كورقة ضغط استراتيجية في سياق المواجهة الإقليمية الدائرة، غير أن دخولهم المباشر في الحرب قد يحمل مخاطر كبيرة على مستقبل الجماعة وبقائها. ورغم التهديدات التي أطلقتها الجماعة في بداية التصعيد دعماً لإيران، إلا أن الحوثيين ظلوا حتى الآن إلى حد كبير خارج دائرة المواجهة المباشرة. ويشير التقرير إلى أن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أدان في الثاني من مارس اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ودعا الإيرانيين إلى الثبات، غير أن الجماعة لم تفتح جبهة جديدة في الحرب. ويقول لوكا نيفولا، خبير الأمن البحري في اليمن والخليج لدى مركز بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، إن الحوثيين كانوا قد أشاروا قبل اندلاع المواجهة بأسابيع إلى أنهم سيردون على أي هجوم أمريكي على إيران، لكنهم لم يقدموا حتى الآن على خطوات عملية كبيرة. أسباب التراجع ويرى محللون أن هذا الحذر يعود إلى عدة عوامل، أبرزها الضعف العسكري النسبي الذي أصاب الجماعة بعد الضربات الأمريكية التي أعقبت حرب غزة، إضافة إلى العمليات الإسرائيلية التي استهدفت عدداً من قياداتها، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانيها مناطق سيطرتها نتيجة الحرب والعقوبات. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن الحوثيين لا يزالون يمتلكون قدرات عسكرية مؤثرة تشمل طائرات مسيّرة بعيدة المدى وصواريخ يمكنها استهداف إسرائيل أو تعطيل الملاحة الجوية. ويشير نيفولا إلى أن هجمات الحوثيين السابقة، رغم محدودية أضرارها، نجحت في إرباك حركة الطيران والملاحة، ويمكن أن تسهم في تشتيت الدفاعات الجوية الإسرائيلية إذا تزامنت مع هجمات من إيران أو حلفائها في المنطقة. وبحسب التقرير، فإن مضيق باب المندب يظل الورقة الاستراتيجية الأهم في يد الحوثيين، إذ يمكن للجماعة تعطيل الملاحة فيه باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ والألغام البحرية والزوارق السريعة، حتى دون السيطرة المباشرة على كامل الممر. وقد أظهرت حملتهم البحرية بين 2023 و2025 قدرة واضحة على التأثير في حركة الملاحة، حيث أجبرت الهجمات التي شنوها أكثر من 90% من السفن التجارية على تغيير مسارها بعيداً عن البحر الأحمر. ويحذر الخبراء من أن إغلاق باب المندب بالتزامن مع تعطّلمضيق هرمز قد يؤدي إلى شل صادرات النفط الخليجية، خصوصاً أن دول الخليج تستخدم حالياً خطوط أنابيب تنقل النفط من الساحل الشرقي إلى موانئ البحر الأحمر لتفادي المخاطر في الخليج. تداعيات عالمية خطيرة ويرى التقرير أن إغلاق هذا الممر البحري الحيوي سيؤدي إلى تداعيات كارثية على سوق الطاقة العالمي، خصوصاً في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم عبر مضيق هرمز. وفي حال تعطلت حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فإن السفن ستضطر إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخير الإمدادات العالمية. كما أن إغلاق هرمز وباب المندب معاً قد يخلق اختناقاً مزدوجاً في طرق الطاقة العالمية، وهو سيناريو من شأنه أن يشل صادرات النفط الخليجية إلى حد كبير. ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن الحوثيين يدركون المخاطر الكبيرة التي قد تترتب على الدخول في مثل هذا التصعيد، خاصة مع احتمال تعرضهم لضربات إسرائيلية مكثفة تستهدف قياداتهم وبنيتهم العسكرية. ويقول نيفولا إن الجماعة تخشى بشكل خاص استراتيجية قطع الرؤوس التي استخدمتها إسرائيل ضد قياداتها، والتي أثبتت فعاليتها في إضعاف الجماعة. وفي الوقت الراهن، يظل موقف الحوثيين أقرب إلى الدعم الرمزي لإيران دون الانخراط المباشر في الحرب، إلا أن الضغوط قد تتزايد عليهم مع استمرار التصعيد الإقليمي، ما قد يدفعهم في النهاية إلى استخدام أوراقهم الاستراتيجية في البحر الأحمر.