توجه دولي لفصل باب المندب عن الملف اليمني.. هل تقترب مواجهة الحوثيين؟

توجه دولي لفصل باب المندب عن الملف اليمني.. هل تقترب مواجهة الحوثيين؟

اليمن -

ناقشت حلقة جديدة من برنامج «من الآخر»، مساء الأربعاء، والذي يقدمه الزميل عبدالله دوبلة على قناة «يمن شباب»، التطورات الأخيرة في الملف اليمني، ولا سيما عقد مجلس الأمن الدولي جلستين طارئتين خلال خمسة أيام، ركزت الأولى على التصعيد الحوثي ضد السعودية، فيما خصصت الثانية لبحث أمن باب المندب والبحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.

وتناولت الحلقة تباين مواقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن من التطورات، وما إذا كان نقل قضية باب المندب إلى مستوى النقاش الدولي يمكن أن يمهد لتحرك أوسع ضد جماعة الحوثي، أم أن الأمر سيبقى في إطار الإدانات والدعوات إلى التهدئة والتسوية السياسية.

جلستان خلال خمسة أيام

وأشار الزميل عبدالله دوبلة إلى أن مجلس الأمن عقد خلال خمسة أيام جلستين طارئتين بشأن اليمن، في تطور وصفه بأنه لافت بالنظر إلى التقارب الزمني بين الجلستين.

وخصصت الجلسة الأولى للشأن اليمني والتصعيد الحوثي ضد السعودية، بينما ركزت الجلسة الثانية على باب المندب وأمن الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع التطورات العسكرية في المنطقة.

وعقدت الجلسة الثانية بطلب من بريطانيا والولايات المتحدة واليونان والدنمارك ولاتفيا، وبرئاسة فرنسا، وشهدت خلافًا إجرائيًا بشأن ترتيب المتحدثين، بعد أن قدمت الرئاسة الفرنسية ممثل اليمن للتحدث عقب إحاطة المسؤول الأممي، وهو ما اعترضت عليه روسيا، معتبرة أن البروتوكول يقتضي أن تتحدث اليمن بعد الدول الأعضاء.

وبحسب ما ورد في البرنامج، فإن الخلاف الإجرائي لم يحجب التحول الأبرز في النقاش، والمتمثل في التعامل مع أمن باب المندب والملاحة في البحر الأحمر باعتباره قضية ذات أبعاد دولية، وليس مجرد امتداد للصراع اليمني الداخلي.

السعودية: حماية باب المندب مسؤولية دولية

وتناولت الحلقة الموقف السعودي في الجلسة، مشيرة إلى أن الرياض طرحت التطورات باعتبارها تهديدًا للأمن الدولي والملاحة البحرية، وليس مجرد جزء من الحرب اليمنية.

وبحسب البرنامج، وصفت السعودية سلوك الحوثيين بأنه «عسكرة للمضايق»، مع التأكيد على حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها.

كما أشارت الحلقة إلى مطالبة السعودية بأن تصبح حماية باب المندب مسؤولية دولية مشتركة، بما يعني عدم تحميل السعودية أو القوات المحلية الموجودة في المنطقة وحدها تكلفة حماية ممر بحري ذي أهمية عالمية.

وتطرقت الحلقة إلى أهمية باب المندب بالنسبة لعدد من الدول، وفي مقدمتها مصر والصين والدول الأوروبية، بالنظر إلى دوره في حركة التجارة والطاقة الدولية، مشيرة إلى أن عددًا من هذه الدول يدين تهديد الملاحة، لكنه لا يبدي بالضرورة استعدادًا مماثلًا لتحمل كلفة مواجهته.

اليمن تطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن

كما تناول البرنامج الموقف اليمني في الجلسة، مشيرًا إلى أنه جاء أكثر وضوحًا في مطالبه المتعلقة بالتعامل مع مليشيات الحوثي.

وبحسب ما ورد في الحلقة، طالبت الحكومة اليمنية بالتنفيذ الفعلي لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالصراع، ولا سيما القرارين 2216 و2140، وتشديد حظر السلاح ووقف التمويل والتهريب ونقل التكنولوجيا والخبرات العسكرية إلى الحوثيين.

كما طالبت بدعم قدرات الحكومة اليمنية البحرية والعسكرية، وبضرورة عدم مساواة الحكومة اليمنية بمليشيات الحوثي في التعامل الدولي مع طرفي الصراع.

وتوقفت الحلقة عند تقارير إعلامية تحدثت عن وجود أقمار صناعية في المنطقة وتقديمها معلومات قد يستفيد منها الحوثيون وإيران في رصد أهداف عسكرية، مع الإشارة إلى أن هذه المعلومات تندرج ضمن ما أوردته التقارير التي تناولها البرنامج.

لندن: باب المندب شريان تجاري

وتناولت الحلقة الموقف البريطاني، مشيرة إلى أن المندوب البريطاني شدد على أن باب المندب يمثل شريانًا مهمًا للتجارة الدولية ولا يمكن تعريضه للخطر.

كما حمل الموقف البريطاني الحوثيين مسؤولية التصعيد في اليمن، وأكد وقوف بلاده إلى جانب السعودية وإدانة الهجمات الحوثية ضدها، مشيرًا إلى أن نشاط الحوثيين في اليمن يجري بدعم إيراني.

وبحسب البرنامج، دعا الموقف البريطاني إلى توجيه رسالة واضحة تضع حدًا للتصعيد الحوثي.

ومع ذلك، أشارت الحلقة إلى أن هذا الموقف لم يتحول إلى إعلان عن مشاركة عسكرية مباشرة أو دعوة صريحة إلى تحرك عسكري دولي.

ألمانيا: لن نسمح بأن تصبح الملاحة رهينة للحوثيين

وبرز كذلك الموقف الألماني الذي تناولته الحلقة، حيث نقلت عن المستشار الألماني تأكيده أن بلاده لن تسمح بأن تصبح الملاحة الدولية «رهينة بيد الحوثيين».

كما أشارت إلى موقف وزير الدولة الألماني للشؤون الخارجية يوهان فادفول، الذي أكد دعم بلاده للحكومة اليمنية في مواجهة جماعة الحوثي، وحذر من أن التصعيد في اليمن يفاقم حالة عدم الاستقرار في البلاد والمنطقة.

واعتبر البرنامج أن الموقف الألماني يمثل تحولًا مقارنة بمواقف ألمانية سابقة اتسمت بالحذر تجاه الملف اليمني.

مصر وفرنسا: حماية الملاحة مع إبقاء باب التسوية مفتوحًا

وتناولت الحلقة الموقف المصري، مشيرة إلى أن القاهرة تؤكد أهمية أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لكنها تربط ذلك بضرورة الوصول إلى حل سياسي شامل للأزمة اليمنية.

وبحسب البرنامج، فإن الموقف المصري يبدو أقل حدة من الموقف السعودي فيما يتعلق بالتحرك العسكري، إذ يسعى إلى حماية الملاحة مع تجنب الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة.

وطرحت الحلقة قراءة تربط الموقف المصري بحسابات القاهرة الإقليمية، خصوصًا علاقتها بالصراع مع إسرائيل، مع الإشارة إلى أن هذه الحسابات قد تؤثر في طبيعة الموقف من إيران والحوثيين.

وفي المقابل، شدد البرنامج على أهمية باب المندب بالنسبة لمصر، باعتباره منفذًا حيويًا لقناة السويس التي تمثل مصدرًا مهمًا للدخل القومي المصري، معتبرًا أن أي تهديد للمضيق ستكون له انعكاسات مباشرة على المصالح المصرية.

أما فرنسا، فأشار الزميل دوبلة إلى أن موقفها يدعو إلى حماية الملاحة ورفض التصعيد مع الإبقاء على باب التسوية السياسية مفتوحًا، من دون الانتقال إلى دعوة صريحة لتحرك عسكري دولي ضد الحوثيين.

ووفقًا للبرنامج، فإن استمرار الاكتفاء بالتطمينات السياسية، من دون وجود قدرة أو إرادة لمنع التهديد، قد يؤدي إلى اختلال في ميزان القوى، فيما حذرت الحلقة من تداعيات السماح لإيران بتوسيع نفوذها على الممرات البحرية.

روسيا والصين.. خلاف حول طبيعة الأزمة

وتوقفت الحلقة مطولًا عند الموقفين الروسي والصيني، مشيرة إلى أن روسيا كانت الأكثر وضوحًا في رفض فصل قضية الملاحة عن أصل الصراع اليمني.

وبحسب ما ورد في البرنامج، رفضت روسيا اختزال القضية في أمن الملاحة فقط، وربطت ما يحدث في البحر الأحمر بالأزمة اليمنية والحاجة إلى تسوية سياسية.

وترى الحلقة أن هذا الموقف يمكن أن يؤدي عمليًا إلى التعامل مع الحوثيين كطرف سياسي قائم في المعادلة، وهي قراءة سياسية تناولها البرنامج في سياق تحليله للموقف الروسي.

أما الصين، فبدت، وفق البرنامج، أقرب إلى الموقف الروسي، وإن كانت لهجتها أقل صدامية، إذ تبدي قلقًا من تراجع أمن الملاحة بالنظر إلى استفادتها من باب المندب في استيراد المنتجات النفطية وتصدير البضائع، لكنها تدفع في الوقت نفسه باتجاه الحوار والتفاوض لمعالجة الأزمة.

وأشارت الحلقة إلى أن الصين لا تتبنى خطابًا يحمل إيران أو الحوثيين وحدهما مسؤولية الأزمة، وهو ما يجعل موقفها قريبًا من الموقف الروسي في هذه النقطة.

كما طرح البرنامج قراءة للمصالح الاقتصادية الروسية، معتبرًا أن موسكو قد تستفيد من تعقيد صادرات النفط والغاز من المنطقة، بما يتيح لها تعزيز موقعها كمصدر بديل للطاقة، خصوصًا في ظل القيود التي فرضت على شراء الطاقة الروسية عقب الحرب في أوكرانيا.

هل تتجه القضية إلى تحرك دولي؟

وتساءلت الحلقة عما إذا كان انتقال قضية باب المندب إلى مجلس الأمن يمكن أن يقود إلى تحرك دولي أوسع ضد الحوثيين.

وبحسب البرنامج، فإن التطور الأبرز يتمثل في انتقال باب المندب من كونه جزءًا من نقاش يمني أو يمني-سعودي إلى قضية تُناقش باعتبارها قضية دولية مرتبطة بأمن الملاحة والتجارة العالمية.

لكن الحلقة شددت في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني اتخاذ قرار عسكري ضد الحوثيين أو أن تحالفًا دوليًا أصبح وشيكًا، إذ لا تزال المواقف الغربية والعربية متفاوتة بين الدعوة إلى حماية الملاحة، وإدانة التصعيد، والدفع نحو التسوية السياسية.

ورجحت الحلقة احتمال أن يكون أي تحرك دولي، في حال حدوثه، محدودًا ومركزًا على باب المندب وتأمين الملاحة، بدلًا من إطلاق عملية دولية واسعة تتعامل مع كامل الملف اليمني عسكريًا.

كما طرحت الحلقة احتمال ارتباط توقيت أي تحرك دولي بتطورات سياسية أخرى، بما في ذلك الانتخابات النصفية الأمريكية، مع التأكيد على أن ذلك يبقى في إطار التوقع والتحليل.

تفاصيل الجلستين

وأعادت الحلقة التذكير بتفاصيل الجلسة الأولى، التي طلبتها البحرين بمشاركة السعودية واليمن، وقدمت خلالها البحرين بيانًا باسم دول الخليج على خلفية الهجمات الحوثية التي تناولتها الجلسة، إلى جانب التطورات العسكرية في الساحل الغربي وسقوط المخا.

كما قدم المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إحاطة خلال الجلسة الأولى، حذر فيها من أن التطورات قد تتجاوز الحدود.

وتمحور النقاش حينها حول التصعيد الحوثي والهجمات على السعودية وسقوط المخا ومخاطر اتساع نطاق الحرب إلى المستوى الإقليمي.

وخلصت الجلسة الأولى، وفق ما استعرضه البرنامج، إلى إدانات واسعة للتصعيد، ودعوات إلى وقف التصعيد وحماية المدنيين والعودة إلى المسار السياسي.

أما الجلسة الثانية، فجاءت في ظل ما وصفته الحلقة بتصعيد جديد خلال الأيام الخمسة الفاصلة بين الجلستين، شمل تقدم الحوثيين باتجاه باب المندب والسيطرة على جزر استراتيجية، بينها ميون وحنيش وزقر، إلى جانب ما أُثير حول استهداف خط أنابيب النفط السعودي بطائرة مسيرة.

وفي الجلسة الثانية، قدم مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، خالد خياري، الإحاطة بدلًا من المبعوث الأممي.

وتركز النقاش على أمن باب المندب والبحر الأحمر والجزر والممرات البحرية وحرية الملاحة والتجارة الدولية، إلى جانب استمرار القتال في اليمن.

وشهدت الجلسة اعتراضًا روسيًا على ترتيب المتحدثين، بعد تقديم اليمن للتحدث عقب المسؤول الأممي، فيما أيدت الصين الاعتراض الروسي من الناحية الإجرائية، وإن كانت لهجتها أقل حدة.

تأخير المواجهة وارتفاع الكلفة

وفي الجزء الأخير من الحلقة، ناقش البرنامج تداعيات استمرار الوضع العسكري القائم، معتبرًا أن تأخير مواجهة الحوثيين قد يؤدي إلى ارتفاع الكلفة مستقبلًا.

واستشهد البرنامج بالتطورات التي حدثت منذ سقوط صنعاء، ثم توقف المعركة في الحديدة، معتبرًا أن التعامل مع التهديد كان سيكون أسهل في مراحل سابقة.

كما تناولت الحلقة ما وصفته باستفادة إيران والحوثيين من استمرار الوضع القائم، ومن الوقت المتاح لتعزيز القدرات العسكرية وتثبيت المواقع.

وتطرقت كذلك إلى تقارير تحدثت عن دور روسي في تقديم معلومات أو إحداثيات للحوثيين وإيران، بما في ذلك ما يتعلق بأهداف متحركة مثل السفن، وهي معلومات عرضتها الحلقة في سياق حديثها عن تعقيدات المشهد العسكري.

المعركة لا تقتصر على باب المندب

ولم تحصر الحلقة أهمية الصراع في باب المندب وحده، بل ربطته بنطاق جغرافي أوسع يبدأ من كهبوب، حيث أشارت إلى استمرار وجود القوات الحكومية، ويمتد إلى جبال تعز وريف لحج.

وبحسب البرنامج، فإن السيطرة على هذا النطاق الجغرافي قد تكون ذات تأثير على مسار الصراع اليمني بصورة أوسع، نظرًا إلى ارتباطه بموقع باب المندب والممرات المؤدية إليه.

وخلص البرنامج إلى أن القضية اليمنية، وبالأخص ملف باب المندب، بدأت تنتقل من إطارها المحلي إلى مستوى النقاش الدولي، من دون أن يكون واضحًا حتى الآن المسار الذي ستتجه إليه.

وطرح البرنامج احتمالين رئيسيين هما، الاكتفاء بالإدانات والدعوات السياسية، أو الانتقال إلى إجراءات دولية أكثر فاعلية، وربما تحرك عسكري محدود يركز على حماية باب المندب وإبعاد الحوثيين عنه.

كما اعتبر البرنامج أن قدرة السعودية على حشد دعم دولي لمواجهة التهديد في باب المندب، ومدى استعداد القوى الدولية للمشاركة في تحمل كلفة هذه المواجهة، سيكونان من العوامل المهمة في تحديد مسار المرحلة المقبلة.