اليمن -
خلال الأسابيع الماضية دخلت الحرب في اليمن مرحلة أكثر خطورة، فما بدأ كتصعيد جديد في يوليو/ تموز تطور إلى قتال عنيف، وتغيرات في جغرافيا السيطرة على طول ساحل البحر الأحمر، وتوسع هجمات الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار ضد السعودية.
وفي الوقت الذي حذر اليمنيين خلال السنوات الماضية من الحوثيين كورقة إيرانية تتمدد في اليمن بدعم كبير من طهران، برزت مؤخراً الجماعة بشكل أوضح كتهديد دولي يتخطى الحدود اليمنية والصراع في اليمن والذي بدأ مبكراً من سيطرة الحوثيين على صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014.
ورأت الصحافة الأمريكية، بأن السعودية تواجه معركة إستراتيجية مع الحوثيين تهدد أمنها القومي وطموحها الاقتصادي، ووفق موقع أمني أمريكي "لا يوجد حل عسكري أو دبلوماسي سهل في اليمن، كما أن سياسة ضبط النفس التي تُنتهج اليوم لا تضمن ألا يفرض الصراع نفسه على أجندة الولايات المتحدة بشكل أكبر غداً".
وعقد كبار أعضاء حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اجتماعا سريا في المنتجع الرئاسي بكامب ديفيد لمناقشة الحرب مع إيران والصراع بين السعودية والحوثيين في اليمن، وفق "أكسيوس" الأمريكي، الذي نقل عن أحد المسؤولين قوله "لقد اتُخذت قرارات أو جرت على الأقل مناقشات معمقة".
واتفقت السعودية وتركيا وباكستان على اتفاقية دفاع مشترك في أغسطس، والذي نُظر إليها في المقام الأول على أنها التزام سياسي، لكن لم يعد ذلك الاتفاق مجرد وعد على الورق، ففي غضون أسابيع بدأت الحكومات الثلاث بناء والآليات العسكرية اللازمة لإضفاء معنى عملي على ذلك الالتزام.
قوة دولية لمساعدة السعودية
توقعت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» الأمريكية، أن يشكل شركاء المملكة العربية السعودية في اتفاقية مكة للدفاع المشترك قوة دولية للمساعدة ضد الحوثيين، رغم أن ذلك لم يظهر بعد على أرض الواقع.
وبعد أن رفضت واشنطن الدعوات لضرب المتمردين الحوثيين، تسعى المملكة العربية السعودية إلى إقامة تحالفات بحرية ودفاعية جديدة، بعد أن استولى الحوثيين على ساحل البحر الأحمر وهددت الملاحة السعودية، مما يعرض للخطر أهم طريق تصدير بعد إغلاق إيران مضيق هرمز.
وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف إن بلاده "ملزمة" بالاتفاق للدفاع عن المملكة العربية السعودية"، مضيفاً "هذا يعني أن أي وسيلة متاحة لنا ستكون متاحة للمملكة العربية السعودية أيضاً".
تتواجد باكستان بالفعل بثمانية آلاف جندي في السعودية، إلى جانب 16 طائرة مقاتلة من طراز JF-17 ثاندر صينية الصنع، وأسراب طائرات مسيرة قتالية، وبطارية صواريخ أرض-جو. لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه القوات قد شاركت في مهاجمة الحوثيين.
وفي الوقت نفسه، يقول المسؤولون الأتراك إنه "ليس لديهم أي مشكلة في تلبية" "الاحتياجات العسكرية" للمملكة العربية السعودية، وخاصة فيما يتعلق بالمسائل التقنية.
يقول مراقبون إن السعودية تستعد لشن هجوم بري يهدف إلى منع الحوثيين من ترسيخ سيطرتهم على ساحل البحر الأحمر وقلب موازين القوى، وتخطط القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية لقيادة هذا الهجوم.
قال برنارد هيكل، أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون "ستكون في الغالب حملة جوية للسعوديين، مع وجود يمنيين وربما باكستانيين على الأرض، على الرغم من أنني أشك في أن الأخيرين سيشاركون إلى ما هو أبعد من التواجد على الحدود".
وفق الصحيفة الأمريكية، من المستبعد أن تُشارك الولايات المتحدة بقوات برية في مثل هذا الصراع، لكن بإمكانها تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي، كما فعلت عام ٢٠١٥. كما يُمكن للبحرية الأمريكية شنّ ضربات، كما فعلت عندما حاصر الحوثيون البحر الأحمر عام ٢٠٢٥، قبل أن يُعلن ترامب وقف إطلاق النار.
وقال هيكل "على أي حال، ورغم أن القادة السعوديين قد لا يتوقعون تدخل واشنطن، إلا أن مخاوفهم تكمن في أن الولايات المتحدة ستعقد اتفاقاً آخر مع الحوثيين متجاهلة مخاوف الرياض".
وأضاف : "يريد السعوديون إشارة مفادها أن الولايات المتحدة موجودة لتقديم الدعم في حال حدوث أي شيء، ولكن إذا لم يتمكنوا من ذلك، فإنهم يريدون إظهار أن أمريكا متفقة تماماً دون أن تكون بالضرورة مشاركة في المعركة".
تردد واشنطن
وعلى مدى عقود، تمحورت العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة حول افتراض يتم ذكره كثيراً، ولكن نادراً ما يتم اختباره: مفاده أنه إذا تعرضت المملكة للهجوم، فإن أمريكا ستأتي لإنقاذها، لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن تلك المظلة الأمنية التي تم التباهي بها كثيراً هشة، وفق صحيفة لوس أنجلوس تايمز.
وفي سبتمبر الماضي سيطر الحوثيون المدعومون من إيران على ساحل البحر الأحمر في اليمن، وهددوا بقطع شريان الحياة البحري للسعودية على البحر الأحمر، إلا أن إدارة ترامب رفضت دعوات الرياض للمساعدة، ومازالت مترددة في فتح جبهة جديدة في حربها مع إيران.
وقد دفع ذلك المملكة إلى البحث عن أصدقاء خارج واشنطن، عن حلفاء مستعدين للمساعدة في معركة تعتبرها السعودية إستراتيجية لإنهاء التهديد الحوثي الإيراني في حدودها الجنوبية من قبل الحوثيين في اليمن.
خلال الأشهر الماضية كثّفت السعودية جهودها الدبلوماسية ذات الطابع العسكري، وفي يوليو/تموز، أعلنت عن تحالف بحري يضم 15 دولة لحماية الملاحة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن.
وبعد ذلك بوقت قصير جاء اتفاق مكة للدفاع المشترك، وهو اتفاق أمني مستوحى من حلف الناتو، حيث يُعتبر أي هجوم على المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان بمثابة هجوم على الدول الثلاث.
واتهم السعوديون ميليشيا مدعومة من إيران في العراق بالتنسيق مع الحوثيين لضرب خط أنابيب الشرق والغرب، وهو البنية التحتية الحيوية التي سمحت للسعودية بإعادة توجيه نفطها من هرمز إلى البحر الأحمر.
كل ذلك دفع ولي العهد السعودي إلى التوجه إلى الولايات المتحدة طلباً للمساعدة - وكان لديه سبب للاعتقاد بأنها ستأتي: ففي أواخر العام الماضي، وقعت الولايات المتحدة اتفاقية دفاع استراتيجية مع المملكة، وصنفتها كحليف رئيسي من خارج حلف الناتو، ووافقت على بيعها طائرات مقاتلة متطورة من طراز إف-35.
بدا ترامب في البداية متجاوباً مع مناشدات الأمير، لكنه تراجع، بحسب التقارير، قبيل إقلاع الطائرات الحربية الأمريكية لشن غارات على أهداف الحوثيين. وفي وقت لاحق، صرّح لقناة فوكس نيوز بأن واشنطن "على اتصال دائم مع الحوثيين، وأنهم وافقوا على عدم قتال الولايات المتحدة".
ثلاث نقاط ضغط إستراتيجية
ويشير تحليل نشره موقع «Homeland security»الأمني الأمريكي، قد تُفضل واشنطن قد تفضل البقاء بعيدا عن اليمن، لكن التطورات على الأرض قد تُجبرها على اتخاذ قرارات صعبة لحماية مصالحها وشركائها.
ووفق الموقع "لا يوجد حل عسكري أو دبلوماسي سهل لليمن، وضبط النفس اليوم لا يضمن عدم استيلاء الصراع على اهتمام أمريكي أكبر غدًا".
لم يعد الخطر المباشر محصوراً في تحديد الطرف المسيطر على مناطق محددة في اليمن -وفق التحليل- فالحرب تتمركز بشكل متزايد حول ثلاث نقاط ضغط استراتيجية ذات تداعيات بعيدة المدى، كالتالي:
- السيطرة على مضيق باب المندب.
- التهديد المتزايد للبنية التحتية الحيوية السعودية.
- قدرة القوات اليمنية على منع المزيد من الخسائر.
حيث تغيرت ساحة المعركة في الساحل الغربي عندما سيطر الحوثيين على نحو 140 كيلومتراً إضافياً من ساحل البحر الأحمر، وسيطرت على ما يقرب من أربع جزر، وتكبدت قوات المقاومة الوطنية خسائر فادحة.
وكشف انهيار الساحل الغربي أيضًا عن ثغرة أعمق في القيادة والسيطرة داخل معسكر مناهضة الحوثيين. في مقال له على قناة الجزيرة، يجادل نواف عبيد، الباحث في كلية كينجز بلندن، بأن هذا الاختراق لم يكن ممكنًا بالقوة البشرية الحوثية، بل ساعدت بنية استخباراتية روسية إيرانية.
ووفقًا لعبيد، كشفت الصورة الاستخباراتية الناتجة عن ذلك عن ثغرات بين تشكيلات قوات الرد السريع وقيادة القوات المشتركة بقيادة السعودية. ولذلك، تقدم معركة الساحل الغربي درسًا أوسع للمرحلة التالية من الحرب.
ومع ذلك، خلال الأسبوعين التاليين، ولم يحقق الحوثيون سوى مكاسب ميدانية محدودة إضافية منذ تقدمهم الأولي على الساحل الغربي، وتركز القتال بدلاً من ذلك على قمم الجبال والطرق والمواقع التكتيكية، لا سيما حول كهبوب والوازعية والمداخل الجنوبية الغربية لتعز.
أصبح مركز الثقل الاستراتيجي يتزايد في المنطقة الواقعة شرق باب المندب، وتتمركز القوات الحكومية حالياً على بعد حوالي أربعة كيلومترات شرق المضيق. في الوقت نفسه، يسعى الحوثيون إلى تعزيز سيطرتهم على المناطق الجبلية المجاورة، وبناء مواقع دفاعية، والضغط على شبكة الطرق التي تربط عدن وتعز.
يُشكّل هذا الأمر مشكلة أمنية بحرية حتى بدون محاولة الحوثيين إغلاق باب المندب، إذ تمتلك الجماعة صواريخ باليستية وأسلحة مضادة للسفن وطائرات مسيّرة بعيدة المدى، كما أن زيادة مساحة الأراضي الساحلية والمواقع المرتفعة تزيد من عدد المواقع التي يُمكن من خلالها مراقبة حركة الملاحة البحرية أو تهديدها. وفق الموقع الأمريكي.
بالإضافة إلى ذلك، تظهر الهجمات على مركز الطاقة غرب السعودية أن الصراع لم يعد محصوراً في المناطق الحدودية. كما أن نشر قدرات إضافية للدفاع الجوي والرادار الفرنسي لحماية البنية التحتية للطاقة السعودية يُشير إلى أن الرياض وحلفاءها يستعدون لتهديد صاروخي وطائرات مسيرة محتمل ومستمر.
بالنسبة لواشنطن، بات اليمن بمثابة اختبار لمدى قدرة ضبط النفس وتقاسم الأعباء الإقليمية على احتواء صراع يمسّ بشكل متزايد المصالح الأمريكية الجوهرية، ورفض ترمب عدم توجيه ضربات مباشرة للحوثيين يتماشى مع نهجه "أمريكا أولاً" وسعيه لتحميل السعودية وشركاء إقليميين آخرين جزءًا أكبر من الأعباء الأمنية، إلا أن تقاسم الأعباء لا يُزيل التحدي الأساسي.
ووف الموقع الأمريكي "زال الحوثيون متحصنين، مُسلحين تسليحًا كثيفًا، ومتمركزين على طول أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما يُهدد الصراع بشكل متزايد البنية التحتية الحيوية السعودية وحركة الملاحة في البحر الأحمر".
تحالف مكة يلتقي في البحر الأحمر
ويواجه حلف الدفاع السعودي مع باكستان وتركيا أول اختبار رئيسي له، مع استمرار هجمات الحوثيين في تهديد الأراضي السعودية والبنية التحتية في البحر الأحمر بالإضافة إلى القتال المتزايد في اليمن.
ووفق موقع «The conversation»البريطاني، بعيدًا عن الروتين الدبلوماسي والأمني، تتجاوز هذه التطورات اتفاق مكة مجرد الدفاع عن الأراضي في منطقة تعاني من تحديات وصراعات لا حصر لها، من إيران إلى اليمن.
فبالنسبة للسعودية يستجيب هذا الاتفاق لحاجة استراتيجية ملحة: هي تعزيز قدرة المملكة على ردع التهديدات التي تواجه أراضيها وممر البحر الأحمر، مع تقليل اعتمادها على الضمانات الأمنية الخارجية.
في الواقع -وفق التحليل- باتت حماية المملكة تعني بشكل متزايد ليس فقط حماية أراضيها ومجالها الجوي، بل أيضًا حماية الممرات البحرية التي يصل اقتصادها من خلالها إلى الأسواق العالمية.
جاء اتفاق مكة في الوقت الذي واجهت فيه المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى تهديدات متزايدة بالصواريخ والطائرات بدون طيار مرتبطة بالصراع الإيراني وهجمات الحوثيين التي تنطلق من اليمن.
لكن الدفاع عن أراضي السعودية ليس سوى جزء من المشكلة، فخلال الأزمة الحالية مع إيران، اضطرت السعودية إلى الاعتماد بشكل أكبر على ساحلها الغربي والبحر الأحمر كمنفذ بديل لتصدير الطاقة ومع إغلاق مضيق هرمز تحول باب المندب إلى نقطة ضعف استراتيجية.
وفي 30 يوليو، أعلنت السعودية و13 دولة أخرى عن تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة عبر باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. وساعدت تركيا وباكستان، العضوان في هذا التحالف البحري في إطلاق اتفاقية مكة بعد أيام قليلة.
يتناول الاتفاقان جوانب مختلفة من المشكلة الاستراتيجية نفسها، إذ يوفر اتفاق مكة إطارًا للدفاع الإقليمي والجوي، بينما يسعى التحالف البحري إلى حماية الممرات البحرية التي يعتمد عليها اقتصاد السعودية بشكل متزايد لنقل الطاقة والسلع.
ويقلّ التمييز بينهما أهميةً عندما يكون للهجوم على خط أنابيب أو ميناء أو ناقلة نفط سعودية تداعيات على مصالح الأمن القومي نفسها التي قد تترتب على الهجوم على المجال الجوي السعودي. وفق التحليل.
تُجسّد حملة الحوثيين هذه المشكلة -بحسب التحليل- فقد أظهرت الهجمات التي انطلقت من اليمن أن ضعف السعودية لا يقتصر على حدودها، بل باستخدام أسلحة مختلفة وينفذان عمليات في بيئات متباينة، إلا أن كليهما قادر على زعزعة الأمن الاقتصادي للمملكة.
تقع تركيا عند تقاطع هذين المسارين الأمنيين. حيث تُساهم السعودية بموقعها الجغرافي ومواردها المالية، فضلاً عن دورها المباشر في تأمين شبه الجزيرة العربية وممر البحر الأحمر. أما باكستان، فتُساهم بعلاقات دفاعية راسخة مع الرياض، فضلاً عن قدرات عسكرية كبيرة.
لكن تركيا تضيف صناعة دفاعية متطورة بشكل متزايد، بما في ذلك الطائرات بدون طيار وأنظمة أخرى، إلى جانب وجود دبلوماسي واستراتيجي يمتد من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يمنح هذا المزيج أنقرة دورًا متميزًا محتملًا.
وبالتالي فإن الأهمية لا تكمن في ظهور تحالف إقليمي على غرار حلف شمال الأطلسي بقدر ما تكمن في إمكانية أن تبدأ مبادرات الدفاع المنفصلة في تعزيز بعضها البعض.
يجب أيضاً فهم هذه التطورات في سياق علاقتها بالولايات المتحدة. حيث لا تستبدل المملكة السعودية علاقتها الأمنية الراسخة مع واشنطن باعتمادها الكبير على القدرات العسكرية والتدريب والاستخبارات والتعاون الأمني الأمريكي.
لكن هذه التطورات مهمة لأنها تشير إلى تحول في كيفية تعامل المملكة العربية السعودية مع نقاط ضعفها الأمنية، فلم يعد بالإمكان التعامل مع الدفاع الصاروخي والأمن البحري والبنية التحتية للطاقة كمشاكل منفصلة: فالاضطراب في جزء من الجغرافيا الاستراتيجية للمملكة يمكن أن يؤثر بسرعة على الأجزاء الأخرى.
