متاجرة بالمعاناة وانتهاكات ممنهجة.. كيف دمر الحوثيون القطاع الطبي في اليمن؟

متاجرة بالمعاناة وانتهاكات ممنهجة.. كيف دمر الحوثيون القطاع الطبي في اليمن؟

صنعاء -

في الوقت الذي يعاني فيه ثلثا السكان في اليمن من الفقر، ونقص الرعاية الصحية، وانعدام الأمن الغذائي، لم تعد الانتهاكات التي ترتكبها مليشيات الحوثي المصنفة على قوائم الإرهاب تقتصر على الترهيب العسكري ضد المجتمع اليمني، بل طالت المستشفيات والمراكز الصحية، التي يقف أمامها مئات المرضى ممن يعانون من أمراض جسدية ونفسية، نتيجة سياسة التجويع الممنهجة التي تنتهجها الجماعة.

ولم تكتفِ المليشيا بالجبايات والإتاوات التي تفرضها على أصحاب المحال التجارية والمواطنين البسطاء، بل وسّعت تضييقها ليشمل حرمانهم من الحصول على الرعاية الصحية، من خلال سياسات ممنهجة قائمة على الاستحواذ والإقصاء.

ويتجلى ذلك بوضوح في القطاع الصحي، من خلال إخراج العديد من المستشفيات عن الخدمة أو إيقافها كليًا، إلى جانب ترهيب واختطاف العاملين من الأطباء وأصحاب الصيدليات، في خطوة واضحة لإغلاق ما تبقى من المستشفيات الحكومية وتسخيرها لخدمة الجماعة، في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية بسبب انقلاب المليشيا المدعومة من إيران.

في هذا التقرير، يسلّط "يمن شباب نت" الضوء على الممارسات والانتهاكات التي ترتكبها مليشيات الحوثي بحق القطاع الصحي والعاملين فيه، وكيف أعادت رسم السياسة الصحية في المدن الخاضعة لسيطرتها، مع رصد الممارسات خلال الأيام الماضية وربطها بسياقها الأوسع الممنهج بحق المستشفيات الحكومية والخاصة.

سياسة ممنهجة

منذ انقلاب مليشيات الحوثي الإرهابية في عام 2014، وإسقاط العاصمة صنعاء، وسّعت الجماعة من عمليات النهب ومصادرة ممتلكات الغير، إلى جانب هيمنتها على ما تبقى من القطاعات الخدمية التي تدرّ عليها ملايين الريالات لتمويل الحرب، وكان القطاع الصحي من أولى اهتماماتها، إذ عيّنت القيادي المقرب من زعيم الجماعة، طه المتوكل، وزيرًا للصحة في حكومة الانقلاب، نظرًا لأهمية هذا القطاع.

في بداية الأمر، خصصت المليشيا أقسامًا طبية لجرحاها داخل المستشفيات الحكومية، وعسكرت المنشآت الصحية، واستخدمتها لأغراض عسكرية، إلى جانب فرض جبايات مالية ونِسب وصلت في البداية إلى 20% من إيرادات الخدمات التشغيلية. ثم توسعت هذه السياسات لاحقًا لتشمل إجراءات إدارية، ورفع تكاليف خدمات الرعاية الصحية، والتضييق ومصادرة الممتلكات الصحية الحكومية والأهلية.

وفي المقابل، أعادت المليشيا، عبر قيادات نافذة، رسم سياسة خاصة بالقطاع الصحي، وتحويله تدريجيًا إلى قطاع خاص، مستخدمة "الحارس القضائي" للسيطرة على الإيرادات، حيث صادرت ونهبت عائدات المستشفيات الحكومية والخاصة، وأغلقت شركات الأدوية، وصادرت ممتلكاتها، ورهّبت العاملين في القطاع الصحي.

كما أنشأت مستشفيات خاصة بها مثل "المؤيد" و"القدس" و"البدر"، إضافة إلى إنشاء عشرات معامل الأدوية في ضواحي العاصمة صنعاء، بحسب تقارير حقوقية.

انتهاكات مستمرة

منذ مطلع مايو الجاري، رصد موقع "يمن شباب نت" ممارسات وتجاوزات ارتكبتها المليشيا بحق المستشفيات في مناطق سيطرتها، تنوعت بين الترويج لمحاليل وأدوية ملوثة بطرق غير قانونية، ومصادرة أجهزة ومعدات طبية، وصولًا إلى الشروع في إغلاق بعض الأقسام.

وفي مطلع الأسبوع الماضي، حذر ناشطون وأطباء من كارثة إنسانية كبيرة تهدد مرضى الأورام في صنعاء، عقب نشر وثائق ومعلومات كشفها الصحفي فارس الحميري، أظهرت محاولات غير قانونية من قبل نافذين في مليشيا الحوثي للإفراج عن شحنة محاليل طبية ملوثة، كانت محجوزة للإتلاف منذ عام 2024، ومخصصة لمرضى الأورام في المستشفى الجمهوري بصنعاء.

وتعيد هذه الحادثة إلى الأذهان الواقعة المأساوية التي شهدها مستشفى الكويت الجامعي بصنعاء في أكتوبر 2022، حيث توفي وأصيب عشرات الأطفال من مرضى سرطان الدم (اللوكيميا) إثر حقنهم بجرعات أدوية كيميائية مهربة ومنتهية الصلاحية، في حادثة تورطت فيها قيادات في السلطات الصحية التابعة للمليشيا.

وفي استهتار واضح بحياة المرضى والمتاجرة بمعاناتهم، ورغم التحذيرات المستمرة من الهيئة العليا للأدوية من المخاطر الصحية لاستخدام هذه المحاليل، تصر الجماعة على تمريرها إلى السوق.

وأكدت مصادر طبية في المستشفى الجمهوري بصنعاء، وجود خلافات كبيرة بين الجهة التي تدير المستشفى وهيئة الزكاة التابعة للمليشيا، وصلت إلى حد منع تقديم بعض أوجه الدعم للخدمات الصحية المجانية للمرضى.

وأوضحت المصادر أن الجماعة تدير أغلب المستشفيات الحكومية والخاصة في العاصمة صنعاء، إلى جانب فرض مشرفين ومندوبين في كل مستشفى لتنفيذ سياساتها وتحصيل الأموال.

وفي ذات الأسبوع، أقدمت المليشيا على مصادرة ونقل أجهزة طبية من مستشفى ناصر بمحافظة إب إلى مستشفى السحول العام شمالي المحافظة، رغم الحاجة الماسة إليها، ما أثار مخاوف من إغلاق أقسام حيوية مثل الحاضنات وعيادة الأسنان.

وفي سياق ترهيب العاملين، اختطفت المليشيا خلال العام الماضي عددًا من الأطباء العاملين في مستشفيات المحافظة، ولا يزال بعضهم مخفيًا قسرًا حتى اليوم.

كما أصدرت تعميمًا إلى إدارات المستشفيات بعدم صرف مستحقات الأطباء والعاملين إلا بعد الحصول على تراخيص مزاولة المهنة، في ظل ظروف معيشية قاسية يعيشها العاملون وأسرهم منذ سنوات.

مشاريع خاصة

في الوقت الذي يعاني فيه السكان من تفشي الفقر وانتشار الأمراض والأوبئة، سعت المليشيا إلى مصادرة المساعدات الصحية المقدمة من المنظمات الدولية، وتحويل المستشفيات إلى قطاع خاص يخدم مشاريعها التوسعية والاحتكارية.

وبإشراف قيادات بارزة، تم تخصيص القطاع الصحي في مناطق سيطرة الجماعة، بقيادة أحمد حامد، مدير مكتب رئاسة الجمهورية في صنعاء، وبمشاركة وزير الصحة السابق في حكومة الانقلاب طه المتوكل ومقربين منه.

وفي هذا السياق، يرى الصحفي والباحث اليمني سلمان المقرمي أن سياسة الخصخصة بدأت منذ عام 2018، حين تم الترويج لتحويل المستشفيات الحكومية إلى خاصة، بحجة نجاح القطاع الخاص، وهو ما أدى إلى قطع التمويل عن المؤسسات الحكومية.

وأوضح المقرمي أن هذه السياسة انعكست في ارتفاع كبير في تكاليف خدمات الرعاية الصحية، دون تحسن في جودة الخدمة، نتيجة الفساد وغياب الحوكمة، وعدم توجيه الإيرادات نحو تطوير القطاع.

وأشار إلى أن الجماعة حولت القطاع الصحي إلى مصدر إيرادات، ما أدى إلى تقليص الخدمات المجانية، وربط بعضها بهيئة الزكاة بشكل محدود، رغم أنها كانت ممولة حكوميًا قبل الانقلاب.

وأكد أن هذه السياسات أدت إلى هجرة الكفاءات الطبية إلى الخارج، وفق تقارير دولية وحقوقية، مشددًا على أهمية دور نقابتي الأطباء والصيادلة، والحراك النقابي في صنعاء، خصوصًا في مستشفيي الجمهوري والثورة، لإنقاذ ما تبقى من القطاع.

من يوقف الانتهاكات؟

حذرت تقارير دولية وحقوقية من استمرار سياسة المليشيا في تدمير القطاع الصحي، وعسكرة المستشفيات، واختطاف العاملين، حيث لا يزال العشرات منهم مخفيين قسرًا.

وفي المقابل، أفادت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بأنها وثّقت نحو 5423 انتهاكًا ارتكبتها جماعة الحوثي بحق القطاع الصحي خلال الفترة من 2017 وحتى 2024.

وبحسب فريق الرصد الميداني التابع للشبكة، شملت الانتهاكات: 689 حالة نهب لسيارات إسعاف واستخدامها لأغراض عسكرية، 1107 حالات إغلاق صيدليات، ونهب 18 مخزنًا للأدوية، وفصل 569 موظفًا من الكوادر الطبية، و167 حالة اعتقال واختطاف، و19 حالة إخفاء قسري، 1240 انتهاكًا طالت منشآت صحية.

وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الحاد الذي يعانيه القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين، في ظل غياب الرقابة والمساءلة، ما يهدد حياة ملايين اليمنيين.