اليمن -
أعادت الحرب في المنطقة بين
إيران والولايات المتحدة، النقاش حول حرية الملاحة في العالم، لكن هناك مخاوف أخرى مرتبطة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب بشكل خاص حيث إن سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من اليمن، يجعلها مصدر تهديد حتى ولو توقفت الحرب.
تحوّل الصراع الإقليمي في اليمن إلى أزمة أمنية بحرية دولية، وقد شكّل إغلاق الممرات الملاحية، وارتفاع أقساط التأمين، وتكثيف الدوريات البحرية، وتحويل مسار التجارة العالمية بعيدًا عن رأس الرجاء الصالح، تحولًا جذريًا نحو عسكرة الممرات الملاحية العالمية.
ووفق مجلة الرؤية الدبلوماسية الباكستانية "هذه ليست مجرد أزمة في اليمن أو مع الحوثيين، بل تحول في طبيعة نقاط الاختناق البحرية كأداة للاستراتيجية الجيوسياسية" ولفتت "أن تمرد الحوثيين في اليمن تحول إلى تهديد إقليمي يؤثر على الملاحة".
وبعد سيطرتهم على مساحات شاسعة من شمال اليمن، وامتلاكهم قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، أظهر الحوثيون قدرة متزايدة على بسط نفوذهم خارج حدود اليمن -وفق التقرير- ويُعدّ نهجهم في البحر الأحمر مدروساً بعناية.
من جانبه اعتبر معهد أمريكي متخصص بالأمن والاستخبارات، بأن أي اتفاق مع إيران لا يتضمن مساراً منفصلاً للحوثيين سيُبقي على تهديد البحر الأحمر قائماً، فإلى جانب إيران، يُعد الحوثيون عاملاً مؤثراً، ولا يمكن السيطرة عليه من قبل إدارة ترامب بالتعامل مع الحوثيين كمشكلة تخص جهة أخرى.
مسار منفصل مع الحوثيين
رأى تحليل أمريكي استخباراتي، بأن أي اتفاق مع إيران لا يتضمن مساراً منفصلاً للحوثيين سيُبقي على تهديد البحر الأحمر قائماً، مشيرا بأن الجماعة الحوثية المدعومة من طهران على أهبة الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر.
ووفق موقع
«The Cipher Brief» الأمريكي، المتخصص بالأمن والاستخبارات، بينما ينصبّ التركيز على مضيق هرمز، فإنه ليس نقطة الضعف الوحيدة، لا يزال الحوثيون في اليمن متمركزين لإغلاق مضيق باب المندب، الذي يقع على الممر البحري الحيوي المؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
ومع إغلاق مضيق هرمز، تُصدر السعودية حالياً نحو خمسة ملايين برميل يومياً عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، وكل برميل منها يقع ضمن نطاق هجوم الحوثيين، في ذات تقوم حاملة الطائرات الأمريكية "جورج بوش"، بالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من عبور باب المندب، وهذا يُظهر مدى جدية البنتاغون في التعامل مع هذا التهديد.
شنّ الحوثيون ما لا يقل عن ثماني هجمات على إسرائيل، وقد صرّح الحوثيون بأن هذه الضربات لا تمثل سوى "مرحلة أولى"، في إشارة إلى أن الجماعة تُدير خيارات التصعيد لديها تحسبًا لأي طارئ مستقبلي، وليس مجرد رد فعل على الأحداث الجارية.
لن يتوقف التهديد للبحر الأحمر تلقائيًا بمجرد إبرام اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران في حالة تم التوصل إليه. ووفق التحليل، يكمن خطأ واشنطن في التعامل مع الحوثيين كصنبور يمكن لطهران فتحه أو إغلاقه فيما تشير الأدلة إلى عكس ذلك.
وأعتبر الموقع الأمريكي، إن الحوثيين ليسوا تابعين لإيران يتلقون الأوامر، بل هم جهة عاملة تسعى لتحقيق أجندتها الخاصة تحت مظلة مشتركة، حيث إن ضبط النفس المدروس الذي أبدوه خلال شهر مارس يعكس حسابات داخلية متجذرة وليس مجرد إدارة طهران للمسرح.
إن فهم هذا التمييز مهم لأنه يحدد ما إذا كان سيتم إغلاق باب المندب على طول مضيق هرمز، وإذا حدث ذلك، فإن الصدمة الاقتصادية لهذه الحرب ستتحول من شديدة إلى كارثية، وفق التحليل.
وفي الشهر الأول من الحرب على إيران والتزم الحوثيون، والذين يسيطرون على ثاني أهم ممر مائي في المنطقة الصمت، وفي 28 مارس/آذار، أطلق الحوثيون أول صاروخ باليستي لهم على إسرائيل، وفي 1 أبريل/نيسان، أعلنوا عملية مشتركة منسقة مع إيران وحزب الله، لكن هجماتهم توقفت بعد ذلك، وعادت الجماعة إلى الصمت.
في السابع من أبريل/نيسان، صرّح مصدر إيراني رفيع المستوى لوكالة رويترز قائلاً: "إذا خرج الوضع عن السيطرة، فسيُغلق حلفاء إيران مضيق باب المندب". وحتى الآن لم تُستهدف أي سفينة تجارية في عام 2026، لكن نجح الحوثيون في تغيير مسار حركة الملاحة البحرية العالمية دون إطلاق رصاصة واحدة على السفن.
تنظيمياً، تتسم جماعة الحوثي بطابع مرتبط بشخص، فجهاز "الأمن الوقائي" على غرار الحرس الثوري الإيراني، والذي أُنشئ بالتعاون مع حزب الله ومدربين إيرانيين، يرفع تقاريره مباشرةً إلى عبد الملك الحوثي، وليس إلى أي مؤسسة تابعة للدولة اليمنية.
وقد وصفه فريق خبراء تابع للأمم المتحدة بأنه الجهاز الاستخباراتي الأكثر نفوذاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إلا أن السلطة الفعلية تتركز في يد عبد الملك ودائرة ضيقة من أفراد عائلته وقبيلته في صعدة.
ما يحفزهم مزيجٌ تستخف به واشنطن باستمرار القومية اليمنية -وفق التحليل- وإحياء المذهب الزيدي-الهادوي، والاستحقاق الوراثي الهاشمي، وأيديولوجية مناهضة للإمبريالية تستلهم من ولاية الفقيه الخميني، لكنها لا تعتمد عليها.
دعم إيران للحوثي
ورأى التحليل الأمريكي، بأنّ التأطير التقليدي للحوثيين باعتبارهم "وكلاء إيران"، هو اختصار مفيد، ولكنه مضلل استراتيجياً، وقال فسر مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، جون ألترمان، الأمر بوضوح تام في شهادته أمام الكونغرس: إيران لم تُنشئ حركة الحوثيين، ودعمها لها "حديث نسبياً" و"انتهازي إلى حد كبير".
يؤكد السجل التاريخي ذلك، فخلال حرب صعدة الأولى عام 2004 والحروب الخمس التي تلتها، كان التدخل الإيراني محدوداً للغاية، واستولى الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 دون دعم إيراني يُذكر.
ولم يبدأ الانخراط الجاد لفيلق القدس في نقل أسلحة وتدريب ومساعدة فنية للحوثيين، إلا في عام 2017 تقريباً، بعد أن أثبت الحوثيون قدرتهم على ضرب السعودية بمفردهم، بعد سيطرتهم على العاصمة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014.
ما قدمته إيران منذ ذلك الحين حقيقي له أهمية إستراتيجية ومنها، صواريخ باليستية وصواريخ كروز، وأسلحة مضادة للسفن، وطائرات مسيرة بعيدة المدى، وتدريب من حزب الله والحرس الثوري، ومعلومات استخباراتية.
بالإضافة إلى دعمهم بمكونات ذات استخدام مزدوج مصدرها الصين بشكل متزايد، يتم نقلها عبر شبكات الدعم اللوجستي الإيرانية، وجادل التحليل بأن هذ الدعم "لا يعني القيادة"، لافتا بأن هذا ليس مجرد مسألة نظرية، بل ظهر في نمط سلوك الحوثيين مارس-أبريل 2026 بثلاثة تصورات تداولتها التقارير نلخصها كالتالي:
- أولًا، أفادت التقارير أن إيران ضغطت على الحوثيين لمهاجمة سفن الشحن في البحر الأحمر، إلا أن الحوثيين رفضوا، وشنّوا هجومًا على إسرائيل بدلاً من ذلك، وهو هدف أقل خطورة بكثير بموجب بنود اتفاقية وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين في مايو 2025.
- ثانيًا، تشير تقارير موثوقة إلى أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني قد ثبطت نشاط تصعيد الحوثيين في بعض الأحيان، لأن طهران قد تحتاج إلى اليمن في حال انهيار النظام الإيراني.
- ثالثًا، يُجري الحوثيون نقاشًا داخليًا، ينطلق أحدهما من تيار حذر يرى أن التدخل المباشر يستنزف الموارد، ويُعرّض الجماعة لضربات جوية، ويُعقّد المسار السياسي مع السعودية، وتيارً مُتشدد مُتماشى مع خطاب "وحدة الجبهات" الصادر من طهران، ويرى أن هذه اللحظة هي المكسب الاستراتيجي، وكانت ضربات 28 مارس على إسرائيل بمثابة حل وسط بين هذين المعسكرين.
كيف سينهار ضبط النفس وماهي محفزاته؟
أورد المعهد الأمريكي الاستخباراتي، ثلاثة عوامل تفسر ضبط النفس لدى الحوثيين خلال المرحلة الحالية من الحرب في المنطقة، وثلاثة عوامل أخرى يمكن أن تجعلهم يتدخلون بشكل أكبر.
أولاً: تخشى الجماعة من مزيد من التدمير التي تعرضت له خلال عامي 2024 و2025، فقد دمرت الضربات الإسرائيلية والأمريكية ميناء الحديدة، وأطاحت بالحكومة، وقضت على الغماري، وأضعفت ترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية التي أمضت عقدًا من الزمن في بنائها.
ووفق التحليل، فإن استراتيجية التصفية التي اتبعتها إسرائيل ضد حزب الله، باغتيال حسن نصر ومعظم القيادات العليا، باتت الآن سيناريو محتملاً في اليمن، ويدرك عبد الملك الحوثي هذا الأمر، وغريزة البقاء لديه تحثه على توخي الحذر.
ثانياً: التهدئة مع السعودية فقد صمدت هدنة عام 2022 بين الحوثيين والتحالف، وقد أمضت السعودية العام الماضي تراهن بهدوء على نجاح سياسة الاحتواء، والأهم من ذلك، أن الرياض تعتمد الآن بشكل متزايد على موانئ البحر الأحمر، ولا سيما ينبع، كبديل لممر هرمز.
ووفق المعهد الأمريكي، وأي هجوم حوثي على السفن قبالة ينبع من شأنه أن ينهي التهدئة ومسار الانفراج، ويعيد إشعال حرب اليمن في وقتٍ تتمتع فيه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية في عدن بقوة لم تشهدها منذ سنوات.
العامل الثالث: هو الرأي العام اليمني، من خلال فلسطين استطاع الحوثيين تحشيد الشارع، بينما ينظر معظم اليمنيين إلى إيران كقوة أجنبية أخرى تتدخل في شؤون بلادهم. وقد أدى الهجوم على السفن التجارية "تضامناً مع غزة" في عامي 2023 و2024 إلى ارتفاع شعبيتها محلياً. أما الهجوم على السفن "تضامناً مع إيران" في عام 2026 فهو أمر يصعب تبريره.
لكنّ ضبط النفس له محفز بالنسبة للحوثيين، وهناك ثلاثة تطورات كفيلة بانهياره يوردها التحليل الأمريكي كالتالي:
- أولًا، العمليات البرية الأمريكية ضد إيران: حيث نشر الرئيس ترامب 2500 جندي إضافي من مشاة البحرية في المنطقة، فإذا تحولت الحرب من حملة جوية إلى عملية برية، فإن حسابات القيادة الحوثية ستتغير جذريًا، لأن منطق توحيد الجبهات سيصبح ضرورة وجودية بدلًا من كونه مجرد شعار.
- ثانيًا، الضربات المباشرة على البنية التحتية للحوثيين: فإذا استهدفت الولايات المتحدة، أو إسرائيل الحديدة، أو صنعاء، أو قيادة الحوثيين العليا، فإن النقاش الداخلي سينقلب فورًا لصالح المعسكر المتشدد. ويستند موقف التيار الحذر برمته على فرضية أن الحوثيين قادرون على التزام الصمت والحفاظ على حركتهم. والضربات التي تنفي هذه الفرضية تنفي الحجة نفسها.
- ثالثًا، إشارة إيرانية مرتبطة ببقاء النظام: فإذا رأت طهران أن النظام مهدد وجوديًا، فستضغط بشدة على الحوثيين للانضمام إلى الصراع، وقد ألمح المرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى "جبهات جديدة في الصراع". إذ خلص الحرس الثوري الإيراني إلى أن اليمن هي الورقة الأخيرة المتاحة، فسيلجأ إليها، وسينضم إليه معسكر الحوثيين المتشدد.
كيف يمكن التعامل مع الحوثيين؟
وخلص تحليل المعهد الأمريكي الاستخباراتي، بأن ما سيحدث عند مضيق باب المندب سيحدد ما إذا كانت هذه الحرب ستُحدث صدمة اقتصادية يمكن السيطرة عليها أم صدمة ستؤثر على أجيال قادمة
ووفق التحليل، لا تستطيع السعودية الحفاظ على حجم صادراتها دون البحر الأحمر، ولا تستطيع مصر الحفاظ على ميزان مدفوعاتها دون عائدات قناة السويس، ولا تستطيع الاقتصادات الآسيوية الحفاظ على إنتاجها الصناعي إذا أُغلق المضيقان معًا.
وهذا يوضح أكثر بأن، مضيق باب المندب ليس أمرًا ثانويًا، بل هو حجر الزاوية في الاستجابة العالمية لإغلاق مضيق هرمز، لذلك -ووفق المعهد الاستخباراتي الأمريكي- تتمثل الآثار السياسية في ثلاثة أمور:
- أولاً: أي مخرج مع إيران لا يتضمن مساراً منفصلاً للحوثيين سيُبقي على تهديد البحر الأحمر قائماً، حيث لا تستطيع طهران إيصال الحوثيين، بل يمكنها التأثير عليهم، لكنها لا تستطيع ضمان سلوكهم بعد وقف إطلاق النار.
- ثانيًا: تُعدّ الرياض ومسقط أدواتٍ أكثر فعالية من طهران لإبقاء مضيق باب المندب مفتوحًا، فقد توسطت عُمان في اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين عام 2025. ولدى السعودية قنوات اتصال مباشرة مع دائرة عبد الملك عبر خارطة طريق السلام المتعثرة، ومن المفترض أن تكون هذه القنوات نشطة للغاية الآن.
- ثالثًا: ينبغي فهم الضربات المباشرة على البنية التحتية للحوثيين على أنها ضمانٌ لحملة البحر الأحمر، لا كردعٌ لها، فكل حملة قصف أمريكية سابقة ضد الحوثيين انتهت بقدرات حوثية أكثر تطورًا وخطابٍ أكثر عدائية، ومن الأجدى للبحرية الأمريكية القيام بعمليات مرافقة ودوريات ردع بدلًا من شنّ ضربات تُؤجّج نقاشًا داخليًا يميل حاليًا لصالح واشنطن.
عسكرة طرق التجارة العالمية
من أبرز تبعات أزمة البحر الأحمر عسكرة طرق التجارة البحرية، فلطالما كانت الممرات البحرية الحيوية، كمضيق هرمز ومضيق ملقا وقناة السويس، ذات أهمية بالغة. قامت عدة دول، كالولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، بتعزيز دورياتها البحرية في المنطقة من خلال عمليات الأمن البحري.
يُبرز هذا السيناريو التحول من الفضاء البحري التجاري إلى الفضاء البحري المُؤمَّن، حيث لم تعد طرق التجارة البحرية فضاءات اقتصادية غير سياسية، بل فضاءات جيوسياسية.
ووفق مجلة الرؤية الدبلوماسية
الأزمة الراهنة تُنذر بعهد جديد للأمن البحري، حيث يبرز دورٌ أكثر أهمية للجهات الفاعلة غير الحكومية، وتُمثل الدوريات البحرية متعددة الجنسيات في الممرات الملاحية عودةً إلى فرض النفوذ في هذه الممرات التجارية.
في غضون ذلك، يُظهر نشر الحوثيين للطائرات المسيّرة والصواريخ وأساليب الحرب البحرية غير المتكافئة الطبيعة الجيوسياسية للحروب المعاصرة، ويتجلى هذا التوجه العسكري في ثلاثة جوانب: أولها، تعزيز القدرات البحرية، حيث تحافظ القوى العالمية على وجود دائم أو دوري أكبر في الممرات المائية الاستراتيجية الهامة.
ثانيًا، إضفاء الطابع الأمني على العمليات التجارية، حيث تُعطي الشركات البحرية الأولوية للأمن في عملياتها. ثالثًا، سباق التسلح في البحار، حيث تُقوّض الصواريخ الرخيصة والطائرات المسيّرة الهيمنة البحرية. والنتيجة النهائية هي نظام بحري مُتصدّع، حيث تعتمد حرية الملاحة بشكل متزايد على القوة.
تُعدّ أزمة البحر الأحمر جزءًا من ديناميكيات إقليمية وعالمية. فدعم إيران للحوثيين، والجهود الأمريكية لحماية التجارة العالمية، والمصالح الأمنية الإسرائيلية، كلها عوامل مؤثرة في المجال البحري. بالنسبة للقوى الإقليمية، يُمثّل البحر الأحمر ساحةً لتنافسها الاستراتيجي، بينما يُمثّل للقوى الكبرى مفترق طرق رئيسيًا للتجارة العالمية.
وقد أسفر ذلك عن جهود أمنية مشتركة، فضلاً عن تباين الأولويات. يسعى البعض إلى ردع التهديد واحتوائه، بينما يرى آخرون فيه فرصة لزعزعة الوضع الراهن. ونتيجة لذلك، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي، بل أصبح ساحة صراع جيوسياسي تتلاقى فيها المصالح المحلية والدولية.
تُلقي أزمة البحر الأحمر بظلالها المتزايدة على الاقتصاد العالمي، إذ تُلقي بظلالها على سلاسل التوريد العالمية، بزيادة تكاليف النقل من الطرق البديلة، والتأثيرات على سلاسل إمداد الطاقة والسلع في جميع أنحاء العالم.
ورأى تقرير المجلة الباكستانية، أن القوى الكبرى الأولوية للمصالح الاستراتيجية على حساب حلول الأمن الجماعي، وهذا يخلق بيئةً تهيمن فيها الاستجابات العسكرية الانفعالية على الحلول الدبلوماسية طويلة الأمد، كما أن غياب إطار أمني موحد لمنطقة البحر الأحمر يزيد من تعقيد الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار.
الحاجة إلى الدبلوماسية البحرية
إن معالجة أزمة البحر الأحمر تتطلب أكثر من مجرد نشر القوات البحرية، يجب أن يدمج الحل المستدام الأبعاد الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية. أولاً، يجب تعزيز آليات الحوار الإقليمي التي تشمل الدول الساحلية مثل اليمن والمملكة العربية السعودية وجيبوتي ومصر لبناء فهم أمني مشترك. وفق التقرير.
ثانيًا، تُعدّ أطر خفض التصعيد بين القوى الخارجية ضرورية لمنع الحوادث البحرية من التسبب في تصعيد أوسع للصراع. ثالثًا، ينبغي أن تركز مبادرات الدبلوماسية البحرية على حماية الشحن التجاري باعتباره منفعة عامة عالمية، وفصل الأمن التجاري عن التنافس الجيوسياسي.
وأخيراً، يظل الاستثمار في الاستقرار الإقليمي في اليمن أمراً ضرورياً، حيث يستمر الصراع الداخلي الذي لم يتم حله في تغذية انعدام الأمن البحري، وتشير عسكرة طرق التجارة إلى تحول أوسع في العلاقات الدولية، حيث تتشابك العولمة الاقتصادية بشكل متزايد مع تفتت الأمن.
تمثل أزمة البحر الأحمر نقطة تحول في العلاقة بين الصراع والتجارة العالمية. فما كان في السابق ممراً تجارياً مستقراً نسبياً، أصبح الآن بيئة استراتيجية متنازع عليها، تتشكل بفعل الحرب غير المتكافئة، والتنافس الإقليمي، والمنافسة على النفوذ العالمي.
في نهاية المطاف، سيعتمد استقرار الأنظمة البحرية العالمية على ما إذا كانت الدول قادرة على تجاوز الاستجابات العسكرية قصيرة الأجل نحو أطر أمنية تعاونية طويلة الأجل، وبدون مثل هذه الجهود، قد تظل نقاط الاختناق الحرجة مثل البحر الأحمر عرضة للأزمات المتكررة، مع عواقب بعيدة المدى على الاقتصاد العالمي والنظام الدولي.