اليمن-
في صباح 28 مارس/ آذار أطلق الحوثيين من اليمن أولى هجماتهم على إسرائيل ليدخلوا الحرب بشكل مباشر، بعد شهر من إعلان انهم مستعدون للقتال، وتعهدوا بمواصلة الهجمات حتى تنتهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وبدأت مشاركة الحوثيين بعد ساعات قبل ساعات فقط من إعلان بيان حدد الشروط التي ستدفعهم إلى التدخل: إذا انضمت دول أخرى إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في قتال إيران؛ أو إذا شُنّت هجمات على إيران من البحر الأحمر، إذا صعّدت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب.
واعتبرت مجموعة الأزمات الدولية
«Crisis Group» أن دخول الحوثيين المتأخر إلى الحرب عكس قراراً مدروساً تم اتخاذه بالتنسيق مع طهران حيث يبدو أنهم قد رأوا اللحظة مناسبة للتدخل، مع تصاعد الضغط العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
واستعرض الباحث أحمد ناجي، خبير مجموعة الأزمات الدولية، حسابات الحوثيين وقدراتهم العسكرية ومآلالات التصعيد، ويجيب على تساؤلات بشأن مستقبل التصعيد والهدنة مع السعودية والحكومة اليمنية.
حسابات الحوثيين
يتشارك الحوثيون أهدافًا مع إيران، لكن لديهم أيضًا حساباتهم الخاصة للمخاطر، فهم يعتبرون أنفسهم جزءًا لا يتجزأ من "محور المقاومة" الذي تقوده طهران ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وفق تحليل مجموعة الأزمات الدولية.
ولفت إلى، إن اختيار الحوثيين لهدفهم له دلالة واضحة، فبمهاجمتهم إسرائيل، دون غيرها حتى الآن، يُظهرون قدراتهم مع تجنبهم في الوقت نفسه خرقًا فوريًا للتفاهم الذي توصلوا إليه مع واشنطن بشأن البحر الأحمر.
وما يزال البحر الأحمر نقطة ضغط كامنة، وكما حدث خلال حرب غزة، يستطيع الحوثيون تعطيل الملاحة في البحر ومضيق باب المندب، مما يؤثر على التجارة العالمية، وقد أوضحت إيران هذا التهديد البحري الأوسع نطاقاً، فما كان يُنظر إليه سابقاً على أنه رادع، بات يُستخدم الآن كسلاح.
أما عن توقيت مشاركتهم في الحرب يشير التحليل إلى أمرين:
- أولاً، قد يسعون إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، وسط تزايد الحديث عن تفاوض أمريكي إيراني محتمل لإنهاء الحرب، فبفتح جبهة أخرى يزيد الحوثيون الضغط على واشنطن وحلفائها برفع كلفة الحرب.
- ثانياً، الرد على التهديدات المتزايدة لإيران باحتلال جزر إيرانية، وعمليات برية أخرى محتملة لمحاولة فتح مضيق هرمز، واحتمال انضمام دول الخليج العربي إلى المواجهة، وقد ألمح الحوثيون إلى هذا التفكير في تصريحات مختلفة منذ بدء الحرب.
ونقلت الأزمات الدولية عن مصادر حوثية، إن عدة عوامل ساهمت في تشكيل أفكار الحوثيين، فعلى نطاق أوسع ينظرون إلى قرار الانخراط في الحرب من عدمه مرتبط بمعركة البقاء للجماعة في حالة سقطت إيران.
ويعتقد الحوثيين بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية لا تهدف إلى هزيمة إيران فحسب، بل المحور بكل الذي هم جزء منه وسيعرضهم للخطر، وفي هذا الصدد، أكدت مصادر موالية للحوثيين لمجموعة الأزمات الدولية أن القادة والمسؤولين متفقون.
القدرات العسكرية
رغم ان الحوثيين تلقوا ضربات قوية أضعفت قدرتهم بين عامي 2023 و2025 شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل واستهدفت مخازن أسلحة وقتل عدد من كبار ضباطهم، لكنهم مازالوا يمتلكون قوة عسكرية مهددة.
ما حمى الحوثيين من الدمار الشامل هو أن جزءًا كبيرًا من ترسانتهم مخفية في تضاريس جبلية وعرة -وفق الأزمات الدولية- وبذلك تمكنوا من الحفاظ على جزء من تفوقهم في الحرب غير المتكافئة، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، بما في ذلك الزوارق البحرية المسيرة.
ومنذ وقف إطلاق النار في غزة أوقف الحوثيين هجماتهم في البحر الأحمر، وعملوا على إعادة بناء قواتهم بتوسيع إنتاج الأسلحة في اليمن والحفاظ على شبكات التهريب المرتبطة بإيران من أجل تدفق الإمدادات الخارجية إلى مستودعات أسلحتها.
ووفق تحليل الأزمات الدولية "الحوثيين ما زال بإمكانهم ممارسة الضغط في البحر الأحمر وباب المندب، حيث يمكن لهجوم واحد على ناقلة نفط أن يُبقي معظم السفن التجارية عالقة".
وقبل أسابيع كثف الحوثيين تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأجروا مناورات بحرية على طول الساحل الغربي لليمن. وفق ما نقل تحليل الأزمات الدولية عن مصادر في صنعاء.
وفي الوقت الذي كان الحوثيين على أهبة الاستعداد للقتال، هم أيضاً على استعداد تام لتصوير أي انتكاسات عسكرية إضافية على أنها نصر سياسي في نهاية الحرب، لا سيما إذا فعلت إيران الشيء نفسه، وفق الأزمات الدولية.
تهديد وجودي
قد تهدد مشاركة الحوثيين في الحرب فقدانهم مكاسب، التفاهم الذي توصلوا إليه مع الولايات المتحدة في مايو/أيار 2025 بشأن البحر الأحمر، والهدنة غير الرسمية مع السعودية التي تقود تحالف لدعم الشرعية في عام 2022.
ولم يخرق الحوثيون التفاهم مع الولايات المتحدة حتى الآن، إذ لم يطلقوا النار على السفن، لكنهم قد يفعلون ذلك لاحقًا ضمن تصعيدهم، كما ساهمت الهدنة مع السعودية على إنهاء الحملة العسكرية ضد الحوثيين، وأوقفت الهجمات العابرة للحدود.
أما المحادثات الرامية إلى ترسيخ وقف إطلاق النار وإبرام تسوية سياسية للصراع في اليمن فهي مُعلّقة منذ أواخر 2023، لأجل غير مسمى، لكن -ووفق الأزمات الدولية- قد تنهار هذه المحادثات إذا ما قرر الحوثيين استهداف السعودية.
يبرز خطران رئيسيان -وفق الأزمات الدولية- أولهما احتمال انهيار اتفاقهم مع واشنطن بشكل كامل، وثانيهما اقتصادي، فالجماعة تعاني بالفعل من ضغوط شديدة جراء العقوبات الأمريكية، ومن المرجح أن يؤدي صراع أوسع نطاقاً إلى تفاقم هذه الضغوط.
من غير الواضح إذا كان الحوثيين قادرين على تحمل تبعات حرب أوسع بكثير، حيث يتعين عليهم مراعاة الوضع الداخلي، فخلال حرب غزة، استغلوا التضامن مع القضية الفلسطينية المتجذر بعمق في المجتمع اليمني.
لذا، سيكون من الصعب تبرير المزيد من الدمار في اليمن باعتباره خدمة لإيران، إدراكًا لهذه المشكلة، ووفق الأزمات الدولية بدأ الحوثيين في صياغة موقفهم من خلال مبررين رئيسيين:
- أولًا، يقولون إن الولايات المتحدة وإسرائيل هاجمتا إيران لأن طهران دافعت عن القضية الفلسطينية وبالتالي، فإن دعم إيران يعني بالتبعية، دعم فلسطين.
- ثانيًا، يؤكدون على ما يسمونه علاقة تاريخية بين اليمن وإيران مقدمين إياها كشراكة وقف فيها كل طرف إلى جانب الآخر باستمرار، وهذا اختبار يعكس الأهمية المستمرة لاستمالة الحاضنة الشعبية.
ثمة عامل آخر يتعين على الحوثيين أخذه في الحسبان، وهو ما إذا كان استفزاز السعودية يستحق الكلفة، لا سيما إذا ما هاجموا مصالحها، فإثارة غضب الرياض قد ينهي مفاوضات وقف إطلاق النار الدائم، المجمدة أصلاً، مما يزيد من احتمالية تجدد القتال.
وتتضمن هذه المفاوضات أيضاً جانباً اقتصادياً، إذ تهدف إلى تأمين دفع رواتب موظفي القطاع العام في مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن، ومع ذلك -ووفق الأزمات الدولية- "ورغم أهمية الاعتبارات الاقتصادية، فإن الحوثيين يعتبرونها ثانوية مقارنةً بالتهديد الوجودي الذي قد يواجه إيران و"محور المقاومة".
ورأى التحليل "إن الحوثيين قد يستغلوا تعثر المفاوضات مع السعودية كمبرر إضافي للتصعيد، وقد باتوا يصورون الأزمة الاقتصادية التي يواجهونها كجزء من مسعى سعودي أمريكي لإضعافهم".
ففي 26 مارس/آذار حذر زعيم الحوثيين من أن أي تأخير في الوفاء بالتفاهمات السابقة سيترتب عليه عواقب، ويبدو أن هذه الرسالة موجهة أيضاً إلى اليمنيين "فبعد دخولهم الحرب، إذا فتح الحوثيون جبهات إضافية، فسوف يبررون أفعالهم ليس فقط بدعم إيران، بل أيضاً بالاستجابة لمظالم محلية مع السعودية".
لكن ما شكّل حسابات الحوثيين غالبا -وفق الأزمات الدولية- هو اعتقادهم بأن ضبط النفس لن يضمن سلامتهم، بل على العكس سيتم ملاحقتهم من أمريكا وإسرائيل في نهاية المطاف، بغض النظر عما إذا كانوا قد تدخلوا لصالح إيران أم لا، بل بكونهم آخر أعضاء المحور الباقين.
ربما يراهن الحوثيون على حدوث اتفاق بين طهران وواشنطن، ونتيجة لذلك تسوق إيران بقائها على أنه انتصار. ورأى التحليل أن "هذا السيناريو الأمثل للحوثيين حيث سيحافظون على قوتهم، فضلاً عن قيمتهم كقوة ردع فعّالة، بدلاً من كونهم قوة احتياطية لنزاع مستقبلي".
مسارات التصعيد
في الوقت الراهن، يشنّ الحوثيون هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على إسرائيل، والتصعيد في البحر الأحمر مرتبط بتطورات الحرب الأوسع، ومدى تصعيد الولايات المتحدة وإسرائيل لهجماتهما على إيران، وكيفية ردّهما على تحركات الحوثيين.
وقد يستأنف الحوثيون هجماتهم على السفن في البحر الأحمر، ومن المرجح أن تمتد حملتهم البحرية بسرعة إلى باب المندب وخليج عدن، مما يزيد من المخاطر، وبالتالي التكاليف على التجارة العالمية سيكون فورياً لا سيما على تدفقات الطاقة.
ووفق الأزمات الدولية، قد يكون من بين الخطوات التصعيدية الأخرى استهداف القواعد العسكرية الأمريكية ومراكز الدعم اللوجستي في الخليج، أو حتى مهاجمة دول الخليج نفسها، بذريعة أن هذه الدول تدعم المجهود الحربي الأمريكي بشكل مباشر أو غير مباشر.
من غير المرجح أن يُقدم الحوثيون على هذه الخطوات دفعة واحدة لكنهم -وفق التحليل- قد يُصعّدون هجماتهم بطرق يصعب التنبؤ بها أو احتواؤها، ففي حملتهم ضد الملاحة البحرية خلال حرب غزة، صعّدوا هجماتهم على مراحل، مضاعفين باطراد من نطاق هجماتهم وتطورها على مدى عامين.
لكن قدرتهم على تكرار ذلك تعتمد على ما إذا كانت إيران لا تزال قادرة على تزويد الجماعة بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، وقدرتهم على تعزيز مخزونهم من الأسلحة حيث من المرجح أن تستنزف احتياطاتهم في مواجهة طويلة الأمد.
ويتفاقم هذا الخطر بسبب عدم اليقين بشأن إعادة التموين، وإذا ما اشتد الضغط العسكري على إيران بالتوازي، فقد تجد طهران صعوبة في إيصال الأسلحة. وهذا ومع مرور الوقت قد يجعلهم يضعفون لدرجة تُشجع خصومهم اليمنيين على شن هجوم جديد، وفق مجموعة الأزمات الدولية.
موقف الحكومة اليمنية
لا ترغب الحكومة اليمنية في التورط في تبعات خيار الحوثيين، حيث تعاني من وضع صعب، إذ أن التحديات السياسية الداخلية والضغوط الاقتصادية والنزاع المستمر مع الحوثيين قد حدّت من خياراتها. وفق الأزمات الدولية.
ومن شأن أي تصعيد من جانب الحوثيين أن يزيد الأمور تعقيدًا، بالضغط على الحكومة للانضمام إلى المجهود الحربي الذي تقوده الولايات المتحدة، على الأرجح من خلال تعزيز مواقعها حول باب المندب.
ووفق التحليل، قد لا ينتظر الحوثيون خصومهم اليمنيين، بل قد يبادرون إلى شن هجوم استباقي على القوات الحكومية المنتشرة في المناطق الساحلية لعرقلة أي تحالف عسكري مع الولايات المتحدة قبل أن يتشكل.
تجد السعودية نفسها في موقف لا يقل صعوبة، فقد كان تدخلها في الحرب الأهلية اليمنية منذ عام ٢٠١٥ أطول وأكثر تكلفة مما توقعت، وبذلت جهود سياسية كبيرة في مساعيها الدبلوماسية لحث الحوثيين على الدخول في مفاوضات، أسفر ذلك عن هدوء نسبي في اليمن.
وإن كان من المؤسف للسعودية عدم التوصل إلى اتفاق سلام يمني داخلي يسمح لها بإنهاء تدخلها -وفق الأزمات الدولية - من شأن تجدد الحرب أن يعرض كل هذا التقدم، مهما كان هشًا، للخطر، في الوقت نفسه، تسعى السعودية لحماية أمنها واقتصادها من أي هجوم إيراني.
ورأى تحليل الأزمات الدولية "سيكون رد فعل الرياض هو إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع قادة الحوثيين ومحاولة منع تفاقم الوضع، إلا أن استراتيجية الاحتواء هذه لها حدودها، وقد تجد الرياض نفسها مضطرة للعودة إلى المشاركة الفعالة رغماً عنها".