إيقاف المساعدات الإنسانية في اليمن... كيف يهدد المصالح الأمريكية؟

إيقاف المساعدات الإنسانية في اليمن... كيف يهدد المصالح الأمريكية؟

اليمن -

"إن مبررات الإدارة الأمريكية لقطع جميع المساعدات الغذائية عن اليمن وأفغانستان مشكوك فيها، وتهدد بالإضرار بالمصالح الأمريكية" وفق موفع "ديفيكس"، التي رأت أنه "مع تزايد احتمالية حدوث مجاعة، تتضح عواقب هذه السياسة، وهي عواقب تتجاوز بكثير الاعتبارات الإنسانية".

في أوائل عام 2025، أوقفت وزارة الخارجية الأمريكية جميع المساعدات الغذائية الممولة من الولايات المتحدة لأفغانستان واليمن، مما أثر على ملايين الأشخاص في منطقتين ذاتي أهمية استراتيجية بالغة.

ووفق منصة  بمجتمع التنمية العالمي "إن قرار إنهاء جميع المساعدات الغذائية الممولة من الولايات المتحدة في اليمن يكشف إما عن سوء فهم جوهري للجغرافيا السياسية للبلاد أو عن نقص مذهل في المعرفة حول أساسيات عمليات المساعدات الغذائية الممولة من الولايات المتحدة في البلاد، أو كليهما".

خطأ في تقدير الأمن القومي في اليمن

حتى تخفيضات المساعدات في عام 2025، كانت الولايات المتحدة من بين أكبر مانحي المساعدات الغذائية في كل من أفغانستان واليمن، ولم يتقدم أي مانح آخر لسد الفجوة غير المسبوقة التي خلّفها قرار الولايات المتحدة بوقف جميع المساعدات الغذائية لهذين البلدين فوراً.

تُظهر الأرقام صورةً قاتمة، فبحسب التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، يواجه أكثر من 5.2 مليون يمني حاليًا المرحلة الرابعة من انعدام الأمن الغذائي "الطارئ" وهي مرحلة تسبق المجاعة.

وتشير أحدث توقعات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى ظهور جيوب قادمة من المرحلة الخامسة "الكارثية"، حيث ستؤثر مستويات انعدام الأمن الغذائي "الحرجة" و"الطارئة" على 52% من السكان.

عندما قررت إدارة ترامب إنهاء المساعدات الغذائية الأمريكية لليمن، كانت هذه المساعدات تُقدم حصراً إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً في اليمن، وليس إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وبالتالي -ووفق موقع ديفيكس- فإن إنهاء المساعدات الغذائية الأمريكية عام ٢٠٢٥ استهدف بشكل كامل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، بينما بقيت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين بمنأى عن التأثير.

إذا كانت الإدارة الأمريكية، تقوم بتقليص المساعدات بناءً على "مخاوف موثوقة وطويلة الأمد من أن التمويل كان يفيد الجماعات الإرهابية بما في ذلك الحوثيين"، فهذا خطأ؛ فهي بدلاً من ذلك تقوم بقطع المساعدات المنقذة للحياة عن المواطنين في الأراضي المجاورة التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية.

بالنسبة للسياق الاستراتيجي -بحسب موقع ديفيكس- تسيطر الحكومة اليمنية بشكل هش على الأراضي التي تسيطر عليها في مواجهة قوات الحوثيين، وقد صنفت إدارة ترامب الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، حيث أدت إلى تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر الذي يمر عبره ما يقارب ثلث حركة شحن الحاويات العالمية.

ومع ذلك، قامت واشنطن فجأة وبشكل كبير بتقليص الإمدادات الغذائية المتاحة في أراضي سيطرة الحكومة. ويتساءل موقع "ديفيكس": ماذا سيحدث لشرعية الحكومة عندما تعجز عن إطعام شعبها؟ من سيصبح البديل الأكثر جاذبية للحكم؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة؟".

وتُفاقم التداعيات الجغرافية هذه المخاطر السياسية. فجيبوتي، التي تُعدّ مركزًا حيويًا للعمليات الإقليمية الأمريكية، تقع على بُعد أقل من 20 ميلًا من اليمن عبر مضيق باب المندب، ويقع معسكر ليمونير، القاعدة العسكرية الأمريكية الدائمة الوحيدة في أفريقيا، في جيبوتي.

فماذا تتوقع إدارة ترامب أن يحدث عندما تنهار مخزونات الغذاء في جنوب اليمن، في الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة؟ إذا كانت الإجابة هي ازدياد عدم الاستقرار السياسي في المنطقة، فمن المرجح أن يُهدد ذلك مصالح الولايات المتحدة أكثر بكثير من أن يجعلها أقوى أو أكثر أمانًا أو أكثر ازدهارًا. وفق موقع "ديفيكس" الدولي.

مبررات مشكوك فيها

قدمت إدارة ترامب مبررين رئيسيين لعمليات الإنهاء هذه: الاعتقاد بأن الجماعات الإرهابية (طالبان والحوثيين) تستفيد من المساعدات الغذائية، والاقتناع بأن المساعدات الخارجية تهدر أموال دافعي الضرائب دون خدمة المصلحة الوطنية.

لا يصمد أي من هذين المبررين أمام التدقيق -وفق موقع "ديفيكس"ـ ففي اليمن يتناقض الادعاء بأن المساعدات الغذائية الأمريكية دعمت الإرهابيين مع الحقائق الأساسية، عند توقفها، كانت المساعدات الغذائية الأمريكية تُقدم حصراً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية.

ولفت الموقع إلى أن المساعدات "لم تصل إلى مناطق الحوثيين ولم تُفِد قواتهم، بل دعمت المعارضة الرئيسية للحوثيين، وهي الحكومة المعترف بها دولياً والتي تسعى الولايات المتحدة ظاهرياً إلى استمرارها".

منعطف خطير

لعلّ الأمر الأكثر إثارة للقلق هو ما يشير إليه هذا التحول في السياسة الخارجية الأمريكية. إذ أن حجب الغذاء عن المدنيين الجائعين لممارسة الضغط وكسب النفوذ السياسي يمثل خروجاً كبيراً عن النهج الأمريكي المعاصر.

إن استخدام الفقر أو التجويع كأداة سياسية ينطوي على تبعات أخلاقية عميقة. ووفق موقع "ديفيكس"، "ينبغي للكونغرس أن يُلزم بأن تُتخذ قرارات سياسية بهذا الحجم - كحجب جميع المساعدات الغذائية عن دولة ما - من قِبل مسؤولين مُعتمدين من مجلس الشيوخ".

ومع ذلك، فإن جيريمي ليوين، المسؤول عن اتخاذ هذا القرار خلال الأشهر الماضية، لم يحصل على موافقة مجلس الشيوخ. فهو يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية لشؤون المساعدات الخارجية والشؤون الإنسانية والحريات الدينية، وكان قد عمل سابقًا تحت إدارة إيلون ماسك في وزارة كفاءة الحكومة (DOGE) التي لم تدم طويلًا.

وأوصى موقع "ديفيكس" بالقول "ينبغي على وزارة الخارجية التراجع فوراً عن هذه القرارات، فالتكاليف الإنسانية والاستراتيجية تفوق بكثير أي وفورات أو فوائد مزعومة. في كلا البلدين اليمن وأفغانستان".

وتابع الموقع "تقوّض هذه السياسة مصالح الولايات المتحدة بدلاً من تعزيزها، وستؤدي إلى وفيات لا داعي لها، وقد تخلق ظروفاً مواتية للجماعات الإرهابية، وتُعرّض استقرار المناطق التي تعتمد فيها مصالح الولايات المتحدة على الاستقرار المحلي للخطر".

وأختتم بالقول "وبصراحة، فإن تقديم المساعدات الغذائية للجياع في أفغانستان واليمن يصب في مصلحة الولايات المتحدة الوطنية، فهو يجعل أمريكا أكثر أماناً وقوة وازدهاراً، وهو أيضاً الصواب بعينه".